
في حدث ثقافي استثنائي، خرجت جداريات “فتيات الشوكولاتة” للفنان النرويجي إدفارد مونك للمرة الأولى من مقر مصنع فريا (Freia) للشوكولاتة، لتُعرض أمام الجمهور في متحف مونك بالعاصمة النرويجية أوسلو. ويمنح هذا الحدث الزوار فرصة نادرة لاكتشاف واحدة من أبرز الأعمال الفنية العامة التي أنجزها صاحب لوحة “الصرخة”، إلى جانب التعرّف على قصة تمتزج فيها الفنون بتاريخ الصناعة، وحقوق العمال، ونضال المرأة، وتاريخ تجارة الكاكاو.
إدفارد مونك.. رائد الفن الحديث وصاحب لوحة “الصرخة”
يُعد الفنان النرويجي إدفارد مونك (Edvard Munch) أحد أشهر رموز الفن الحديث في العالم، وقد اكتسب شهرة عالمية بفضل لوحته الشهيرة “الصرخة” التي رسمها عام 1893، والتي أصبحت من أكثر الأعمال الفنية تأثيرًا في تاريخ الفن، حتى وُصفت بأنها “موناليزا العصر الحديث”.
ورغم ارتباط اسمه بهذه اللوحة، فإن مونك كان يؤمن بأهمية وصول الفن إلى الناس خارج المتاحف، لذلك كرّس جانبًا من مسيرته لإنجاز أعمال فنية في الأماكن العامة، إيمانًا منه بأن الفن يجب أن يكون جزءًا من الحياة اليومية.
جداريات “فتيات الشوكولاتة”.. عمل فني يوثق مرحلة اجتماعية مهمة
يضم المعرض الحالي 12 لوحة جدارية كانت تزين مقصف النساء داخل مصنع فريا منذ عشرينيات القرن الماضي، وتكشف تفاصيل الحياة الاجتماعية والعملية في تلك الحقبة.
وخلال تلك الفترة، كانت شركة فريا العلامة التجارية الأبرز لصناعة الشوكولاتة في النرويج، وعُرفت باهتمامها ببيئة العمل ورفاهية الموظفين، خاصة أن غالبية العاملين في المصنع كانوا من النساء، اللواتي أطلق عليهن اسم “فتيات الشوكولاتة”.
وتوثق الجداريات جانبًا من حياة هؤلاء العاملات، وتعكس التغيرات الاجتماعية التي شهدتها النرويج، بما في ذلك تطور حقوق العمال، ودور المرأة في سوق العمل، ومسيرة المطالبة بالمساواة بين الجنسين.
المعرض يستعرض تاريخ الكاكاو وحقوق العمال
لا يقتصر المعرض على عرض الجداريات فقط، بل يقدم قراءة أوسع للسياق التاريخي الذي أُنتجت فيه هذه الأعمال.
ويتناول المعرض تاريخ تجارة الكاكاو، والظروف التي رافقت إنتاجه، إضافة إلى الإشارة إلى المراحل الاستعمارية التي ارتبطت بمصادر الكاكاو، حيث كانت شركة فريا تستورد حبوب الكاكاو في البداية من أمريكا الجنوبية ومنطقة الكاريبي، ثم لاحقًا من غانا عندما كانت مستعمرة بريطانية.
كما يسلط الضوء على تطور الحركة العمالية في النرويج، وتأثيرها في تحسين ظروف العمل خلال بدايات القرن العشرين.
عرض استثنائي بسبب أعمال التجديد
تُعرض الجداريات حاليًا في متحف مونك بمدينة أوسلو بصورة مؤقتة، بعد نقلها من مصنع فريا الذي يخضع لأعمال تجديد، وهو ما أتاح للجمهور فرصة مشاهدة هذه الأعمال عن قرب للمرة الأولى.
ويستمر المعرض حتى شهر أكتوبر، ويضم إلى جانب الجداريات مجموعة كبيرة من الرسومات التحضيرية، والوثائق التاريخية، والمواد الأرشيفية التي توضح مراحل تنفيذ المشروع، وتستعرض المجتمع النرويجي خلال عشرينيات القرن الماضي.
سنوات ما بعد الحرب العالمية الأولى
توضح أمينة المعرض آنا ماريا بريشياني أن الفترة التي عمل خلالها مونك على هذه الجداريات كانت من أكثر الفترات صعوبة في أوروبا، إذ جاءت مباشرة بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى.
وأشارت إلى أن الجداريات وصلت إلى مصنع فريا عام 1923، بالتزامن مع مرحلة مهمة في تاريخ الحركة العمالية بالنرويج، عندما حصل العمال على عدد من الحقوق الأساسية، من بينها يوم العمل المحدد بثماني ساعات والإجازات الصيفية.
قصة بدأت عام 1922
بدأت الحكاية عندما طلبت إدارة مصنع فريا من إدفارد مونك عام 1922 تصميم مجموعة من الجداريات لتزيين مقصف العاملات داخل المصنع.
وبعد عقود، خرجت هذه الأعمال إلى الجمهور لأول مرة عندما عُرضت في المتحف الوطني بستوكهولم عام 1968، قبل أن تجد طريقها اليوم إلى متحف مونك في أوسلو ضمن معرض خاص يوثق تاريخها.
واحدة من عملين فنيين عامين فقط لمونك
تحظى جداريات “فتيات الشوكولاتة” بقيمة فنية استثنائية، إذ تُعد واحدة من عملين فنيين عامين فقط أنجزهما إدفارد مونك طوال مسيرته.
أما العمل الثاني فهو سلسلة لوحات “أولا” (Aula) التي زينت قاعة الاحتفالات بجامعة أوسلو، وتُعد من أبرز الأعمال الجدارية في تاريخ الفن النرويجي.
ورغم اهتمامه الكبير بالفن العام، فإن مشروعه لإنتاج عمل فني لمبنى بلدية أوسلو الجديدة لم يرَ النور، إذ لم يُكلف بتنفيذه، وتوفي قبل اكتمال المشروع.
إرث فني ما زال حاضرًا
ترى أمينة المعرض أن مونك كان يؤمن بأن الفن لا ينبغي أن يبقى حبيس المتاحف، بل يجب أن يعيش بين الناس ويصبح جزءًا من حياتهم اليومية، وهو ما انعكس بوضوح في مشاريعه الجدارية.
ولا تزال شركة فريا حتى اليوم تنتج الشوكولاتة في مدينة أوسلو، رغم أنها أصبحت مملوكة لشركة مونديليز إنترناشيونال (Mondelēz International)، إحدى أكبر شركات الصناعات الغذائية في العالم.
لماذا يحظى هذا المعرض باهتمام عالمي؟
يمثل معرض “فتيات الشوكولاتة” أكثر من مجرد عرض فني، فهو يجمع بين الفن والتاريخ والصناعة، ويعيد إحياء مرحلة مفصلية شهدت تطور حقوق العمال، وصعود دور المرأة في المجتمع، وتاريخ صناعة الشوكولاتة، إلى جانب إبراز رؤية إدفارد مونك التي جعلت الفن وسيلة للتواصل مع المجتمع، وليس مجرد أعمال تُعرض داخل القاعات المغلقة.
