
أعادت تصريحات رئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن النقاش إلى الواجهة حين ردّت على حديث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن “ضم غرينلاند”، مؤكدةً أن الولايات المتحدة لا تملك حق ضم أي من “الأجزاء الثلاثة” للمملكة الدنماركية.
لكن ما المقصود بهذه “الكيانات الثلاثة”؟ وكيف تتكوّن المملكة الدنماركية دستورياً؟ ولماذا تُعد غرينلاند تحديداً ملفاً بالغ الحساسية تاريخياً واستراتيجياً؟
أولاً: ماذا تعني “المملكة الدنماركية” دستورياً؟
وفق الإطار الدستوري الحديث، تُعرَّف مملكة الدنمارك بوصفها دولة واحدة ذات سيادة (The Danish Realm / Kingdom of Denmark)، لكنها تضم ثلاثة كيانات متميزة تاريخياً وقانونياً:
- الدنمارك (Denmark proper)
- غرينلاند (Greenland)
- جزر فارو (Faroe Islands)
هذا التقسيم ليس “اتحاد دول” بالمعنى التقليدي، بل هو “وحدة المملكة” مع ترتيبات حكم ذاتي واسعة لغرينلاند وجزر فارو، بينما تبقى بعض الملفات السيادية (خصوصاً الدفاع والسياسة الخارجية) مرتبطة بالمملكة ككل. ويظهر ذلك أيضاً في بنية البرلمان الدنماركي (Folketing) حيث تُخصص مقاعد لتمثيل غرينلاند وجزر فارو.
1) الدنمارك: القلب السياسي والمؤسسات السيادية
تُمثل الدنمارك الجزء الأوروبي من المملكة، ومنها تنطلق المؤسسات السيادية الأساسية: العرش، الحكومة، البرلمان، والسلطة القضائية. وهي المحرك الديمغرافي والاقتصادي، وتضم العاصمة كوبنهاغن، كما تمتلك موقعاً بحرياً استراتيجياً يتحكم في مضائق تربط بحر الشمال ببحر البلطيق.
ولفهم حساسية الدنمارك تجاه “الأراضي”، من المهم التذكير بأن تاريخها شهد تمدداً وانكماشاً:
- قادت اتحاداً إسكندنافياً واسعاً في مراحل تاريخية، ثم فقدت أقاليم كبرى عبر الحروب والتسويات.
- في العصر الحديث، اتجهت نحو دولة أصغر وأكثر تركيزاً على الحياد ثم التحالفات الدفاعية بعد الحرب العالمية الثانية.
هذه الخلفية تُفسّر لماذا يُنظر لأي حديث خارجي عن “ضم” أو “استحواذ” باعتباره تهديداً لمبدأ السيادة ووحدة الدولة.
2) غرينلاند: أكبر كيان مساحةً… وأعقد ملفاً سياسياً واستراتيجياً
غرينلاند هي أكبر جزيرة في العالم، لكنها قليلة السكان مقارنة بمساحتها الشاسعة. وتتمتع بهوية ثقافية ولغوية مختلفة عن الدنمارك، حيث يشكل الإنويت (Kalaallit) الأغلبية.
كيف ترتبط غرينلاند بالمملكة الدنماركية؟
- تاريخياً: تعمّقت العلاقة الحديثة مع الاستعمار/الإدارة الدنماركية منذ القرن الثامن عشر.
- دستورياً: أصبحت غرينلاند جزءاً من “المملكة” في الإطار الدستوري الحديث.
- سياسياً: تتمتع غرينلاند اليوم بحكم ذاتي موسّع بموجب قانون الحكم الذاتي لعام 2009 (Greenland Self-Government Act)، وهو يؤكد أن ترتيبات الحكم الذاتي قائمة على “شراكة” واتفاق بين حكومة غرينلاند والحكومة الدنماركية.
لماذا تُعد غرينلاند محط اهتمام دولي متكرر؟
السبب ليس “الجغرافيا” وحدها، بل تداخل ثلاثة عوامل:
- الموقع الاستراتيجي في القطب الشمالي ومسارات الدفاع والردع.
- المعادن والموارد وإمكانات اقتصادية مستقبلية.
- التنافس الجيوسياسي في المنطقة القطبية، خصوصاً مع تصاعد الحديث عن روسيا والصين والممرات البحرية.
ولهذا شددت حكومة غرينلاند مؤخراً على أن الدفاع ينبغي أن يكون ضمن مظلة الناتو ورفضت أي حديث عن “استحواذ” أو “سيطرة” أمريكية.
3) جزر فارو: حكم ذاتي داخل المملكة وهوية نوردية خاصة
جزر فارو أرخبيل في شمال الأطلسي، له جذور نوردية قوية وهوية لغوية مميزة. وبخلاف غرينلاند، يرتبط تاريخ فارو أكثر بالمجال الإسكندنافي التقليدي.
الأساس القانوني للحكم الذاتي في فارو
تقوم ترتيبات الحكم الذاتي على قانون الحكم الذاتي لعام 1948 (Home Rule Act)، الذي ينص صراحة على أن جزر فارو “مجتمع ذاتي الحكم ضمن مملكة الدنمارك”، مع مؤسسات محلية منتخبة لإدارة شؤون واسعة داخلياً.
هذا النموذج جعل فارو كياناً “متميزاً” داخل المملكة، مع مساحة كبيرة لإدارة الملفات الداخلية، بينما تبقى “وحدة المملكة” إطار السيادة العام.
كيف تعمل “وحدة المملكة” عملياً؟ (خريطة مبسّطة للصلاحيات)
رغم اختلاف التفاصيل، يمكن تلخيص الفكرة كالتالي:
- غرينلاند وفارو: تديران معظم الشؤون الداخلية عبر حكومات وبرلمانات محلية، ويمكنهما توسيع صلاحياتهما تدريجياً ضمن الأطر القانونية.
- الدفاع والسياسة الخارجية: غالباً ما تُدار على مستوى المملكة، مع حساسية متزايدة لكون الملفات الدولية تمس مستقبل الإقليمين مباشرة، خصوصاً في غرينلاند.
لماذا أثارت عبارة “الكيانات الثلاثة” كل هذا الجدل؟
لأنها تذكّر بثلاث حقائق حساسة في آن واحد:
- المملكة ليست “الدنمارك فقط” بل كيان دستوري أوسع.
- غرينلاند وفارو ليستا “مستعمرات تقليدية” بالمعنى القانوني الحالي، بل كيانات ذات حكم ذاتي داخل دولة واحدة ذات سيادة.
- الحديث عن “ضم” خارجي يصطدم بمبدأ السيادة وبواقع أن مستقبل هذه الكيانات يُفترض أن يُحسم عبر الإجراءات الدستورية والقرار الديمقراطي الداخلي، لا عبر صفقات دولية أو ضغط سياسي.
أسئلة شائعة (FAQ) لرفع فرص الظهور في Google
هل غرينلاند دولة مستقلة؟
لا. غرينلاند جزء من المملكة الدنماركية، لكنها تتمتع بحكم ذاتي موسّع بموجب قانون 2009.
هل جزر فارو تتبع الدنمارك؟
نعم ضمن المملكة الدنماركية، مع حكم ذاتي قائم على قانون 1948 وتوسعات لاحقة للصلاحيات.
ما المقصود بـ “الكيانات الثلاثة”؟
الدنمارك + غرينلاند + جزر فارو، وهي الأجزاء المكوِّنة للمملكة الدنماركية.
لماذا تريد الولايات المتحدة غرينلاند أصلاً؟
يُشار عادةً إلى الموقع الاستراتيجي والاعتبارات الأمنية والموارد والتنافس في القطب الشمالي كعوامل رئيسية.
خاتمة: ثلاث كيانات… وسيادة واحدة بنظام خاص
المملكة الدنماركية هي نموذج فريد: دولة واحدة ذات سيادة تضم ثلاثة كيانات مختلفة في التاريخ والهوية واللغة، وتُدار علاقتها الداخلية عبر ترتيبات حكم ذاتي واسعة، خصوصاً في غرينلاند وجزر فارو. وفي ظل تصاعد الاهتمام الدولي بالقطب الشمالي، تحولت “الكيانات الثلاثة” من مصطلح دستوري إلى عنوان سياسي ساخن، لأن أي نقاش حول غرينلاند يمس مباشرة توازنات السيادة والهوية والأمن في شمال الأطلسي.
