
يستضيف متحف الفنون الجميلة في لا كورونيا بإسبانيا معرض “هافانا الأم 2003-2023”، الذي يسلط الضوء على أعمال الفنان والمصور الإسباني لويس غابو، بعد أكثر من عشرين عاماً من رحلاته المتكررة إلى العاصمة الكوبية هافانا. ويقدم المعرض تجربة بصرية تستكشف العلاقة بين العمارة والذاكرة والهوية الثقافية، من خلال مجموعة من الصور التي توثق التحولات التي شهدتها المدينة عبر الزمن.
50 صورة توثق روح هافانا
يضم المعرض نحو 50 صورة فوتوغرافية تعكس رؤية لويس غابو الخاصة لهافانا، مع تركيز واضح على مركزها التاريخي والمباني التي تمثل جزءاً من الإرث الثقافي المشترك بين كوبا ومنطقة غاليسيا الإسبانية.
وتبتعد الصور عن التوثيق التقليدي، إذ تقدم قراءة فنية للمدينة من خلال تفاصيلها المعمارية، وانعكاسات الزمن على شوارعها ومبانيها، لتتحول كل صورة إلى شهادة بصرية على تغير المكان واستمرار الذاكرة.
مركز غاليسيا في هافانا.. شاهد على التاريخ
يحظى مركز غاليسيا في هافانا بحضور بارز داخل المعرض، باعتباره أحد أهم المعالم التاريخية التي تربط كوبا بالجالية الغاليسية.
وقد أنشئ المبنى بفضل مساهمات المهاجرين الغاليسيين، وأصبح مقراً للمركز منذ عام 1914، فيما وثق غابو عبر عدسته المراحل المختلفة التي مر بها المبنى، بما في ذلك حالته قبل وبعد أعمال الترميم التي نُفذت بين عامي 2013 و2015.
وتكشف الصور عن التحولات التي شهدتها الواجهات والقاعات والتفاصيل المعمارية، مقدمة توثيقاً فنياً يجمع بين التاريخ والحاضر.
رموز تحافظ على الذاكرة المشتركة
لا تقتصر صور المعرض على المباني وحدها، بل ترصد أيضاً الرموز التي تعكس عمق العلاقة بين غاليسيا وكوبا، ومن بينها شعار مدينة لا كورونيا الذي لا يزال يتصدر إحدى واجهات المبنى التاريخي.
وتجسد هذه التفاصيل الصغيرة ذاكرة مشتركة صنعتها الهجرة والتبادل الثقافي، وأسهمت في بناء روابط إنسانية امتدت عبر المحيط الأطلسي لأكثر من قرن.
لماذا يحمل المعرض اسم “هافانا الأم”؟
يعكس عنوان المعرض المكانة التي احتلتها هافانا في وجدان المهاجرين الغاليسيين، إذ لم تكن المدينة مجرد محطة للعمل أو التجارة، بل شكلت فضاءً احتضن النشاط الثقافي والاجتماعي والفكري للجالية.
وخلال العقود الأولى من القرن العشرين، أصبحت العاصمة الكوبية واحدة من أهم مراكز الغاليسيين خارج إسبانيا، وأسهم افتتاح قصر المركز الغاليسي عام 1915 في ترسيخ هذا الدور، ليغدو أحد أبرز المعالم الثقافية في هافانا.
رؤية فنية مستوحاة من إدوارد هوبر
يقدم لويس غابو هافانا من منظور مختلف، بعيداً عن الصور السياحية المعتادة أو المشاهد الحضرية الصاخبة.
وتحمل أعماله تأثيراً واضحاً بالفنان الأمريكي إدوارد هوبر، حيث تظهر المدينة في أجواء هادئة وشبه خالية من المارة، بينما تتحول الإضاءة الليلية والخطوط المعمارية إلى عناصر تمنح المشهد طابعاً شاعرياً وتأملياً يفتح المجال أمام المتلقي لإعادة اكتشاف المدينة.
من هو الفنان لويس غابو؟
وُلد الفنان لويس لوبيز غابو في مدينة لا كورونيا الإسبانية، المدينة التي شهدت أول معرض فني لبابلو بيكاسو، لكنه اختار أن يقضي جزءاً كبيراً من حياته متنقلاً بين وجهات بعيدة وأماكن لا تحظى عادة باهتمام واسع في المشهد الفني الغربي.
وقد انعكست هذه الرحلات على أعماله الفوتوغرافية والتشكيلية، إذ يسعى دائماً إلى تقديم رؤية إنسانية وشخصية للمكان، بعيداً عن الصور النمطية، مع التركيز على التفاصيل التي تكشف روح المدن وتاريخها.
معرض يوثق الذاكرة قبل أن يطويها الزمن
لا يقتصر معرض “هافانا الأم 2003-2023” على عرض صور فوتوغرافية، بل يقدم توثيقاً بصرياً لعلاقة تاريخية جمعت بين كوبا ومنطقة غاليسيا، ويعيد قراءة مدينة هافانا من منظور يجمع بين الفن والذاكرة والهوية.
ومن خلال عدسة لويس غابو، تتحول العمارة إلى سجل حي يحفظ قصص المهاجرين، ويؤكد أن المباني ليست مجرد أحجار، بل ذاكرة إنسانية تستحق أن تُروى للأجيال القادمة.
