
تستعد شركة علي بابا (Alibaba) الصينية لاتخاذ خطوة قد تغير نموذج الأعمال المرتبط بنماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر، إذ تخطط للحصول على حصة من الإيرادات التي يحققها كبار المستخدمين تجاريًا من الجيل التالي من نماذج Qwen.
وتكشف الخطوة عن تحول مهم في استراتيجية شركات الذكاء الاصطناعي الصينية، التي نجحت خلال الفترة الماضية في جذب المطورين والشركات من خلال طرح نماذج قوية بأوزان مفتوحة وتكاليف أقل من العديد من المنافسين الأميركيين.
وبحسب معلومات نقلتها وكالة رويترز عن شخصين مطلعين على خطط الشركة، تعتزم علي بابا طلب حصة من الإيرادات المرتبطة بالاستخدام التجاري للإصدار التالي من نموذجها، في توجه يجمع بين إتاحة تقنيات الذكاء الاصطناعي بصورة مفتوحة وتحقيق عائد مالي من الشركات التي تبني أعمالًا تجارية عليها.
علي بابا تبحث عن طريقة جديدة لتحقيق الأرباح من Qwen
تعتمد الفكرة على نموذج تجاري يسمح للمطورين بالوصول إلى نموذج الذكاء الاصطناعي والاستفادة من إمكاناته، مع مطالبة بعض المستخدمين التجاريين بتقاسم جزء من الإيرادات التي يحققونها باستخدامه.
ويشير ذلك إلى أن مفهوم «مفتوح المصدر» أو «مفتوح الأوزان» في سوق الذكاء الاصطناعي لا يعني بالضرورة إتاحة الاستخدام التجاري الكبير دون مقابل أو شروط إضافية.
ومن المتوقع أن يصبح تقاسم الإيرادات إحدى الوسائل التي تستخدمها مختبرات الذكاء الاصطناعي الصينية لتحقيق الدخل من نماذجها مع الاستمرار في توسيع انتشارها عالميًا.
ما نموذج Qwen3.8-Max؟
يأتي Qwen3.8-Max ضمن عائلة نماذج Qwen التابعة لعلي بابا، ويُطرح وفق نهج مفتوح يسمح بإتاحة أوزان النموذج للمطورين.
وتُمثل الأوزان مجموعة المعلمات التي اكتسبها النموذج أثناء التدريب، وإتاحتها تمنح المطورين قدرة أكبر على تشغيل النموذج وتخصيصه وتكييفه مع تطبيقاتهم مقارنة بالنماذج المغلقة التي يتم الوصول إليها عادة عبر خدمات توفرها الشركات المطورة.
ويختلف هذا النهج عن الاستراتيجية التي تتبعها شركات أميركية بارزة مثل OpenAI وأنثروبيك وغوغل مع عدد من نماذجها المتقدمة المغلقة.
لماذا تتجه شركات الذكاء الاصطناعي الصينية إلى تقاسم الإيرادات؟
حققت النماذج الصينية مفتوحة الأوزان انتشارًا متزايدًا، خصوصًا مع تقديم مستويات أداء تنافس نماذج متقدمة بتكلفة أقل في بعض الاستخدامات.
لكن تدريب النماذج وتطويرها وتشغيل البنية التحتية اللازمة لها يتطلب استثمارات ضخمة، ما يضع الشركات المطورة أمام تحدٍ أساسي: كيف يمكن تحقيق الأرباح مع الحفاظ على مزايا الانتشار التي توفرها النماذج المفتوحة؟
ويبدو أن تقاسم الإيرادات أصبح أحد الحلول المطروحة.
فبدلًا من فرض رسوم مرتفعة على جميع المستخدمين منذ البداية، تستطيع الشركات السماح بانتشار النموذج على نطاق واسع، ثم تحقيق عائدات من المؤسسات التي تستخدمه لبناء خدمات ومنتجات تجارية واسعة النطاق.
مونشوت تطلب حصة من إيرادات Kimi K3
ولا تقتصر استراتيجية تقاسم الإيرادات على علي بابا.
فشركة الذكاء الاصطناعي الصينية الناشئة Moonshot AI تتبع نهجًا مشابهًا مع نموذجها Kimi K3.
وبحسب المصادر التي تحدثت إليها رويترز، يتطلب ترخيص Kimi K3 من بعض شركاء مونشوت الدخول في ترتيبات لتقاسم الإيرادات، فيما ذكر أحد المصادر أن الشركة تطلب حصة قد تصل إلى 30% من الإيرادات.
أما بالنسبة لعلي بابا، فلم تتضح حتى الآن النسبة التي قد تطلبها الشركة مقابل الاستخدام التجاري لنموذجها، إذ لا تزال المناقشات مستمرة.
اتفاقات تجارية بدأت تظهر بالفعل
بدأ نموذج تقاسم الإيرادات يظهر بصورة عملية داخل سوق الذكاء الاصطناعي.
فقد كشفت شركة Chinasoft International الصينية المتخصصة في خدمات تكنولوجيا المعلومات عن اتفاق لتقاسم الإيرادات مع Moonshot AI، لكنها لم تكشف عن النسبة المالية المتفق عليها.
وتشير مثل هذه الاتفاقيات إلى أن شركات تطوير النماذج المفتوحة قد لا تعتمد مستقبلًا على بيع الوصول إلى النموذج وحده، وإنما على بناء منظومة تجارية متكاملة حوله.
ويمكن أن تشمل هذه المنظومة الوصول المبكر إلى الإصدارات الجديدة، والمساعدة في نشر النماذج، والدعم التقني، وتحسين الأداء، إضافة إلى اتفاقيات تقاسم الإيرادات.
نموذج «فريميوم» يصل إلى الذكاء الاصطناعي مفتوح المصدر
تشبه الاستراتيجية الجديدة نموذجًا تجاريًا معروفًا في قطاع البرمجيات باسم Freemium.
وتقوم الفكرة على توفير المنتج الأساسي مجانًا أو بتكلفة منخفضة بهدف جذب أكبر عدد من المستخدمين والمطورين، ثم تحقيق الأرباح من الاستخدام التجاري المكثف أو الخدمات والمزايا الإضافية.
وأوضح بادي سرينيفاسان، الرئيس التنفيذي لشركة الحوسبة السحابية DigitalOcean Holdings، أن الشركات تدفع مقابل التعاون مع مختبرات النماذج مفتوحة الأوزان لتحسين عملية نشرها، وكذلك للحصول على وصول مبكر إلى الإصدارات التالية.
وأكد وجود اتفاق تجاري بين شركته وMoonshot، دون الكشف عن تفاصيله المالية، واصفًا النهج بأنه نموذج «فريميوم» مفتوح المصدر مجرب.
النماذج الصينية تنافس بالسعر
السعر يمثل أحد أهم الأسلحة التي تمتلكها شركات الذكاء الاصطناعي الصينية في المنافسة العالمية.
فوفق الأسعار المعلنة لرموز الإدخال والإخراج، تبلغ تكلفة استخدام Kimi K3 نحو ثلث تكلفة نموذج Fable من أنثروبيك.
وتساعد فروق الأسعار على جذب الشركات التي تحتاج إلى معالجة أعداد ضخمة من الطلبات باستخدام الذكاء الاصطناعي، حيث يمكن لأي فارق صغير في تكلفة الرموز أن يتحول إلى مبالغ كبيرة عند تشغيل التطبيقات على نطاق واسع.
كيف تربح الشركات من النماذج المفتوحة؟
لا تقتصر الأرباح على الشركة التي طورت النموذج نفسه.
فالشركات التي توفر البنية التحتية وخدمات تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي تستطيع هي الأخرى بناء أعمال تجارية حول النماذج المفتوحة.
ويرى دان فو، نائب رئيس قسم النواة في Together AI، أن القيمة يمكن أن تأتي من تحسين طريقة تقديم الخدمة والاستخدام الأمثل للرموز التي تشكل الوحدات الأساسية لمعالجة استعلامات الذكاء الاصطناعي.
وبذلك يمكن أن تتكون سلسلة اقتصادية كاملة حول النموذج تشمل المطور، ومزود البنية التحتية، والمنصة التي تستضيف النموذج، والشركة التي تبني التطبيق النهائي.
المنافسة على الذكاء الاصطناعي المفتوح تتوسع في الولايات المتحدة
في الوقت الذي تحقق فيه النماذج الصينية مفتوحة المصدر والأوزان انتشارًا متزايدًا، بدأت شركات أميركية جديدة في تعزيز حضورها في هذا المجال.
ومن أبرزها Thinking Machines Lab، الشركة الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي ومقرها سان فرانسيسكو والتي أسستها ميرا موراتي، المديرة التقنية السابقة لشركة OpenAI.
وأطلقت الشركة أول نموذج مفتوح لها، وسط توقعات بأن تقدم نماذج أكثر قوة مستقبلًا.
ويعتقد لين تشياو، الرئيس التنفيذي والشريك المؤسس لشركة Fireworks AI في وادي السيليكون، أنه لا يوجد عائق جوهري يمنع ظهور نماذج أميركية قوية ومفتوحة، في مؤشر على احتمال اشتداد المنافسة في هذا القطاع.
الصين والولايات المتحدة أمام معركة جديدة في الذكاء الاصطناعي
المنافسة بين شركات الذكاء الاصطناعي الصينية والأميركية لم تعد مرتبطة فقط بمن يمتلك النموذج الأكثر ذكاءً أو قدرة.
فالسعر، ونوع الترخيص، وإمكانية تخصيص النماذج، والوصول إلى الأوزان، وتكاليف التشغيل، وشروط الاستخدام التجاري أصبحت جميعها عوامل مؤثرة في قرارات المطورين والشركات.
وتراهن الشركات الصينية على أن إتاحة نماذج قوية بصورة أكثر انفتاحًا يمكن أن تساعدها على الاستحواذ على حصة أكبر من السوق، قبل تحويل الانتشار الواسع إلى مصدر مستدام للإيرادات.
وفي المقابل، تمتلك شركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى موارد ضخمة وقواعد مستخدمين واسعة وبنية تحتية سحابية متقدمة، ما يجعل المنافسة مرشحة للتصاعد خلال الفترة المقبلة.
هل يعني «مفتوح المصدر» أن استخدام نموذج الذكاء الاصطناعي مجاني؟
ليس بالضرورة.
فهناك فرق بين إمكانية الوصول إلى النموذج أو أوزانه وبين الترخيص الذي يحدد كيفية استخدامه تجاريًا.
قد تسمح الشركة للمطور بتنزيل الأوزان وتشغيل النموذج وتخصيصه، لكنها تستطيع في الوقت نفسه وضع شروط خاصة على المؤسسات التي تحقق إيرادات كبيرة من استخدامه.
ولهذا يجب على الشركات والمطورين مراجعة شروط الترخيص الخاصة بكل نموذج قبل دمجه في المنتجات التجارية، خصوصًا مع ظهور نماذج أعمال تعتمد على تقاسم الإيرادات.
مستقبل نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر
قد تكون استراتيجية علي بابا وMoonshot مؤشرًا على مرحلة جديدة في اقتصاد الذكاء الاصطناعي مفتوح المصدر والأوزان.
فبدلًا من الاختيار بين نموذج مغلق ومدفوع وآخر مفتوح ومجاني بالكامل، قد يتوسع نموذج ثالث يقوم على إتاحة التقنية على نطاق واسع مع فرض شروط تجارية على الاستخدامات التي تحقق إيرادات كبيرة.
وإذا نجحت هذه الاستراتيجية، فقد نشهد المزيد من مختبرات الذكاء الاصطناعي التي تتيح نماذجها وأوزانها لجذب المطورين، ثم تحقق الأرباح من الدعم والخدمات والوصول المبكر والاستخدام التجاري وتقاسم الإيرادات.
أسئلة شائعة حول علي بابا ونماذج Qwen
هل نماذج Qwen من علي بابا مفتوحة المصدر؟
تتيح علي بابا عددًا من نماذج Qwen وفق نهج مفتوح، بما في ذلك إتاحة أوزان بعض النماذج للمطورين، لكن شروط الترخيص والاستخدام التجاري قد تختلف من نموذج إلى آخر.
هل سيكون استخدام Qwen مجانيًا للشركات؟
إتاحة النموذج أو أوزانه لا تعني بالضرورة أن جميع الاستخدامات التجارية ستكون مجانية. وتخطط علي بابا، وفق المعلومات المتاحة، لطلب حصة من إيرادات بعض المستخدمين التجاريين الرئيسيين للإصدار التالي.
كم ستأخذ علي بابا من إيرادات مستخدمي Qwen؟
لم تتضح النسبة التي تخطط علي بابا لطلبها حتى الآن، إذ لا تزال المناقشات المتعلقة بالترتيبات التجارية مستمرة.
ما نسبة Moonshot من إيرادات Kimi K3؟
بحسب أحد المصادر المطلعة، قد تطلب Moonshot حصة تصل إلى 30% من الإيرادات ضمن بعض ترتيبات استخدام Kimi K3.
ما الفرق بين النماذج المفتوحة والمغلقة؟
تتيح النماذج مفتوحة الأوزان للمطورين إمكانية أكبر للوصول إلى معلمات النموذج وتشغيله أو تخصيصه، بينما تحتفظ الشركات المطورة للنماذج المغلقة عادة بتحكم أكبر في التقنية وتوفر الوصول إليها من خلال خدماتها وواجهاتها.
الخلاصة
تكشف خطط علي بابا لتحقيق الإيرادات من Qwen عن تحول لافت في سوق الذكاء الاصطناعي مفتوح المصدر والأوزان، إذ تحاول الشركات الصينية الجمع بين الانتشار الواسع لنماذجها وبناء مصادر دخل مستدامة حول الاستخدام التجاري.
وبدلًا من الاعتماد على بيع الوصول إلى النموذج فقط، قد تصبح اتفاقيات تقاسم الإيرادات والخدمات المدفوعة والوصول المبكر والدعم التقني جزءًا أساسيًا من اقتصاد النماذج المفتوحة.
وإذا توسع هذا النهج، فقد تتحول المنافسة العالمية من سباق لتطوير أقوى نموذج ذكاء اصطناعي إلى سباق آخر لا يقل أهمية: من يستطيع تقديم أفضل نموذج بأفضل تكلفة ونظام ترخيص وأكثر نموذج أعمال جاذبية للمطورين والشركات؟
