
في خطوة أثارت جدلاً واسعاً على المنصات الرقمية، نشرت وزارة الأمن الداخلي الأميركية (DHS) لوحة “عهد الصباح” (Morning’s Covenant) للفنان الراحل توماس كينكاد على حساباتها الرسمية في مواقع التواصل الاجتماعي، وفيسبوك وإنستجرام وتويتر، مرفقة بتعليق بسيط لكنه محمّل بالدلالة: “احمِ الوطن“.
لكن ما الذي يجعل لوحة فنية عاطفية تقودها وزارة أمنية؟ ولماذا أثارت ردود فعل متباينة بين الساخر والمستنكر؟
“عهد الصباح”: مشهد ريفي أمريكي يتحول إلى معركة سياسية
اللوحة المعروضة تُصوّر مشهداً أيقونياً من أميركا الريفية في منتصف القرن العشرين. شوارع هادئة، سيارات قديمة، مدرسة تقليدية، وعلم أميركي يرفرف في الهواء. كل عنصر فيها يبدو مختاراً بعناية ليمثّل صورة “أمريكا الجميلة”، تلك التي يشتاق إليها البعض، ويصفها آخرون بأنها مجرد خيال.
لكن الجمهور لم يقبل هذه الرؤية دون تمحيص. سرعان ما تحولت التعليقات على المنشور إلى حملة تفاعلية ساخرة وسياسية:
- قام أحد المعلقين باستبدال العلم الأميركي بـالعلم النازي.
- آخر استبدل العلم بـالعلم الإسرائيلي، مكتوباً عليه “نحن محتلون”، في إشارة إلى التأثير الكبير لـ”اللوبي الصهيوني” في السياسة الأمريكية.
- وأدخل آخرون سيارة تسلا كهربائية مكان السيارات القديمة، في تلميح إلى دور إيلون ماسك في إعادة تشكيل المشهد السياسي والتكنولوجي في الولايات المتحدة.
- وكتبت مغردة ساخرة:
“لقد صحّحنا اللوحة لكم، أضفنا بعض السود، وبعض اللاتينيين، وتلك المرأة على اليسار مهاجرة مثلية من هايتي، والرجل إلى جانبها متحول جنسيًا”.
ما بدأ كنشر فني بسيط، تحول إلى مساحة نقاش سياسي حاد حول الهوية الأمريكية، والعنصرية، والتمثيل، والقيم الاجتماعية.
توماس كينكاد: رسام النور أم صانع الأوهام؟
ولد الفنان توماس كينكاد عام 1958 وتوفي عام 2012، واشتهر بلقب “رسام النور” بسبب أسلوبه الخاص في استخدام الإضاءة والألوان الزاهية لإظهار مشاهد ريفية ودينية تثير الشعور بالحنين والطمأنينة.
- ارتبط اسمه بشكل خاص بجمهور الإنجيليين الأمريكيين، الذين رأوا في أعماله انعكاساً لقيمتهم التقليدية، خاصة مع تصويره المتكرر للكنائس، البيوت ذات الأسوار البيضاء، والمدن الصغيرة الآمنة.
- لكن في الوقت نفسه، وُجّهت له انتقادات شديدة من النقاد الفنيين، الذين اعتبروه يروّج لـفن غير أصلي ومبتذل، يستهدف الجماهير غير المثقفة.
كتب عنه جيري سالتز في مجلة “نيويورك”: “هو مثال للفن العاطفي الواضح والمحافظ”.
فيما قال الصحفي توماس إل. ماكدونالد: “موهوب بشكل استثنائي، لكنه يتمتع بذوق سيء للغاية”.
ردود الفعل الثقافية والسياسية: “رسام النور… لكنها لحظة ظلام”
علّقت سارة كاسكون، الناقدة الأدبية في موقع “آرت نت”، على الخطوة قائلة:
“من السهل إدراك كيف أن ما يُطلق عليه ‘رسام النور’، برؤاه العاطفية للأكواخ العتيقة والمناظر الزاهية، يجذب حشد ‘لنجعل أميركا عظيمة مجدداً’. لكن أن تشارك دائرة حكومية لوحة كينكيد المبتذلة كنوع من الدعاية شبه الرسمية، شيء آخر تماماً”.
تشير تعليقات مثل هذه إلى أن اختيار اللوحة لم يكن عشوائيًا، بل كان له بعد إيديولوجي ودعائي، يعكس رؤية سياسية معينة للوطن، تستند إلى الماضي، وتتجاهل التنوع والواقع الاجتماعي الحالي.
الخلفية السياسية: “ألكاتراز التمساح” وسياسات الهجرة القمعية
وكان منشور وزارة الأمن الداخلي قد جاء في توقيت حساس، حيث تم الكشف مؤخراً عن مشروع بناء معسكر اعتقال مؤقت في ولاية فلوريدا، يُعرف باسم “ألكاتراز التمساح“. وقد تم إنشاؤه خلال ثمانية أيام فقط بواسطة إدارة ترامب، باستخدام خيام ومقطورات تابعة للوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (FEMA)، بهدف احتجاز المهاجرين الذين تعتقلهم إدارة الهجرة والجمارك (ICE)، التابعة لنفس الوزارة.
الربط هنا واضح: في الوقت الذي تنشر فيه الوزارة صورة مثالية عن أميركا، فإنها تنفذ سياسات قمعية ضد المهاجرين، ما جعل الكثيرين يعتبرون أن هذا الاستخدام للوحة هو نوع من التضليل أو التزييف الثقافي.
الفن كوسيلة للتعبير السياسي: بين الحنين والانتقاد
ما حدث يؤكد مرة أخرى أن الفن ليس بريئاً، وأن أي عمل فني يمكن أن يُستخدم كرمز أو رسالة سياسية، خاصة عندما يُعرض من قبل جهة رسمية. فاختيار لوحة كينكاد لم يكن بريئاً، فهو يعبّر عن رؤية معيّنة للوطن، تتجاهل التنوع والصراعات الحقيقية، وتحاول إعادة تشكيل الذاكرة الجماعية بطريقة موجهة.
لكن الجمهور لم يلتزم بالصمت، بل حوّل اللوحة إلى مساحة للتفاعل، والاحتجاج، والسخرية، وإعادة كتابة التاريخ بصور جديدة، أكثر عدالة وتنوعاً.
خاتمة: هل تستطيع اللوحة أن تحمي الوطن؟
الفن لا يحمي الوطن، لكنه يكشفه. و”عهد الصباح” كشف عن الانقسام العميق في المجتمع الأمريكي، وعن كيفية استخدام الثقافة كأداة دعائية في أيدي الحكومة.
إذا كانت مهمة وزارة الأمن الداخلي هي حماية المواطنين، فمن حقنا أن نسأل: أي مواطنين؟ وأي وطن؟ وأي حماية؟
الوطن ليس فقط شوارع هادئة وسيارات قديمة، بل هو أيضاً السود، واللاتينيون، والمتحولون جنسياً، والمهاجرون، والنساء، والفقراء، والمضطهَدون. ومن دونهم، ستظل اللوحة جميلة، لكنها غير كاملة.

تعليق واحد
موفق