
تُعد إيفا بيرون، المعروفة باسم “إيفيتا”، واحدة من أكثر الشخصيات تأثيراً في تاريخ الأرجنتين الحديث. ورغم وفاتها المبكرة عام 1952 عن عمر 33 عاماً إثر إصابتها بسرطان عنق الرحم، فإن قصتها لم تنتهِ بوفاتها، بل بدأت واحدة من أكثر الحكايات إثارة وغموضاً في التاريخ السياسي، بعدما تحول جثمانها إلى محور صراع بين السلطة وأنصارها، لتنطلق رحلة استمرت ستة عشر عاماً تنقل خلالها بين عدة دول، قبل أن يعود أخيراً إلى الأرجنتين وسط إجراءات أمنية غير مسبوقة.
لماذا أصبحت إيفا بيرون رمزاً وطنياً؟
ولدت إيفا بيرون في أسرة متواضعة، وتمكنت من شق طريقها نحو الشهرة قبل أن تتزوج الرئيس الأرجنتيني خوان بيرون عام 1945. وخلال سنوات وجودها في القصر الرئاسي، كرست جهودها للدفاع عن حقوق العمال والفقراء والنساء، وأسهمت في إنشاء مؤسسات خيرية قدمت الدعم لآلاف المحتاجين.
هذا الدور جعلها تحظى بشعبية هائلة بين الطبقة العاملة، حتى أصبحت رمزاً سياسياً واجتماعياً تجاوز مكانة السيدة الأولى، وهو ما دفع زوجها إلى الحفاظ على إرثها بعد وفاتها.
تحنيط الجثمان بطريقة استثنائية
بعد وفاة إيفا بيرون في 26 يوليو/تموز 1952، كلّف الرئيس خوان بيرون الطبيب الإسباني بيدرو آرا بتحنيط جثمانها باستخدام تقنيات متقدمة حافظت على ملامحها بصورة لافتة، حتى بدا وكأنها نائمة.
وكانت الخطة تقضي ببناء نصب تذكاري ضخم للعمال يُوضع داخله تابوت زجاجي يضم الجثمان، ليصبح مزاراً يخلد ذكرى إيفيتا، إلا أن الأحداث السياسية قلبت هذه الخطة رأساً على عقب.
انقلاب عسكري غيّر كل شيء
في عام 1955 أطاح انقلاب عسكري بحكم خوان بيرون، واضطر الرئيس إلى مغادرة البلاد، بينما بدأ النظام الجديد حملة واسعة لإزالة كل ما يرمز إلى الحقبة البيرونية.
ورأى قادة الانقلاب أن جثمان إيفا قد يتحول إلى رمز للمقاومة الشعبية، لذلك تقرر الاستيلاء عليه وإخفاؤه بعيداً عن أنظار أنصارها، لتبدأ بذلك واحدة من أغرب قصص اختفاء الجثامين في التاريخ.
رحلة غامضة بين المخابئ والدول
على مدى سنوات، نُقل جثمان إيفا بيرون سراً بين أماكن مختلفة داخل العاصمة بوينس آيرس. وتشير روايات عديدة إلى أنه خُبئ داخل شاحنة، ثم داخل منشآت حكومية، وحتى خلف شاشة في إحدى دور السينما، في محاولة لمنع العثور عليه.
ورغم السرية الشديدة، كانت الشموع والزهور تظهر باستمرار في المواقع التي يُعتقد أن الجثمان مر بها، وهو ما عزز الأسطورة المحيطة بإيفيتا وأكد استمرار حضورها في وجدان مؤيديها.
لاحقاً، تقرر إخراج الجثمان من الأرجنتين بالكامل، فنُقل سراً إلى مدينة ميلانو الإيطالية عام 1957، حيث دُفن تحت اسم مستعار هو ماريا ماجي دي ماجيستريس، لإخفاء هويته ومنع أي محاولة لاستعادته.
رمز للمقاومة السياسية
لم يؤدِ إخفاء الجثمان إلى إنهاء تأثير إيفا بيرون، بل حدث العكس تماماً، إذ تحولت قصة اختفائه إلى قضية سياسية وإنسانية شغلت الرأي العام الأرجنتيني سنوات طويلة.
وامتلأت شوارع بوينس آيرس بعبارات تتساءل: “أين جثمان إيفا بيرون؟”، بينما أصبح مطلب استعادته أحد أبرز شعارات أنصار البيرونية الذين اعتبروا أن ما حدث للجثمان يمثل امتداداً للاضطهاد الذي تعرضت له الطبقة العاملة.
العودة إلى خوان بيرون
مع بداية السبعينيات تغير المشهد السياسي في الأرجنتين، وبدأت محاولات لإنهاء الصراع الداخلي وإعادة الحياة الديمقراطية.
وفي عام 1971 وافقت السلطات على إعادة الجثمان إلى خوان بيرون، الذي كان يعيش في منفاه بإسبانيا، حيث تسلمه داخل تابوت فضي في منزله بمدريد.
وتروي شهادات المقربين أن الجثمان احتاج إلى تنظيف وترميم بعد سنوات طويلة من التنقل والدفن، فيما تولت زوجته الثالثة إيزابيل بيرون العناية به قبل أن يُعاد لاحقاً إلى الأرجنتين.
العودة الأخيرة إلى بوينس آيرس
بعد وفاة خوان بيرون وعودة إيزابيل إلى السلطة، تقرر إعادة جثمان إيفا بيرون إلى وطنها بشكل نهائي.
وخضع الجثمان لعمليات ترميم دقيقة لإصلاح الأضرار التي لحقت به خلال سنوات الاختفاء، قبل أن يُدفن عام 1976 في مقبرة عائلة دوارتي في العاصمة بوينس آيرس.
ولضمان عدم تكرار ما حدث، شُيد قبر شديد التحصين على عمق كبير تحت الأرض، مزود بعدة طبقات من الحماية والأبواب الأمنية، ليصبح من أكثر القبور تحصيناً في الأرجنتين.
لماذا بقيت قصة إيفا بيرون حية حتى اليوم؟
لا تزال قصة إيفا بيرون تمثل واحدة من أكثر القصص إثارة في التاريخ الحديث، لأنها تجمع بين السياسة والأسطورة والشعبية الجارفة.
فقد تحولت امرأة بدأت حياتها في بيئة فقيرة إلى رمز وطني أحبها ملايين الأرجنتينيين، ثم أصبح جثمانها نفسه محوراً لصراع سياسي استمر أكثر من عقد ونصف، قبل أن يجد مثواه الأخير بعد رحلة غامضة عبر عدة دول.
ولهذا لا تزال إيفا بيرون حاضرة في الكتب والأفلام والدراسات التاريخية، باعتبارها شخصية تجاوز تأثيرها حدود السياسة لتصبح إحدى أشهر الشخصيات في تاريخ أمريكا اللاتينية.
