
تحتلّ أزمة المقروئية صدارة النقاش الثقافي في الجزائر، حيث يتردّد كثيرًا أن المجتمع يعيش حالة عزوف عن القراءة. غير أن مؤشرات ميدانية، مثل الإقبال الضخم على معرض الجزائر الدولي للكتاب الذي تجاوز ستة ملايين زائر في دورته الأخيرة، تكشف جانبًا آخر من الحقيقة.
نوادي القراءة… “البطّة السوداء” التي تجاهلها الخطاب الثقافي
خلال السنوات العشر الأخيرة، ظهرت في مختلف الولايات الـ58 مجموعات ونوادٍ للقراءة يقودها شباب من الجيل الجديد، ذلك الجيل المتهم بعدم القراءة وانشغاله بالتكنولوجيا.
لكن المفارقة أن تلك التكنولوجيا نفسها كانت الشرارة التي انطلقت منها المبادرات.
بدأت التجربة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ثم انتقلت إلى الواقع عبر لقاءات دورية ونشاطات ثقافية، تحوّل بعضها إلى جمعيات معتمدة، فيما ظل البعض الآخر ينشط بحرية خارج الأطر الرسمية.
القراءة الجماعية… انتقال من الخلوة إلى المشاركة
الكاتب والناشر علي ميموني يوضّح أن مفهوم القراءة لدى الشباب تغيّر جذريًا:
“تحوّلت القراءة من فعل فردي منعزل إلى نشاط جماعي حميمي يخلق علاقات وذاكرة مشتركة.”
ويشير إلى أن نوادي القراءة تحاول الحفاظ على حريتها، وهذا ما يجعل بعض الهيئات الثقافية التقليدية تتحفّظ تجاهها، رغم تأثيرها الواضح في الميدان.
مبادرات ثقافية مبتكرة… الكتاب في قلب الشارع
الناشط في نادي القراءة أيوب روباش يعدّد أمثلة عن مشاريع غير مسبوقة:
- مكتبات صغيرة داخل المقاهي والمستشفيات والحدائق
- رفوف كتب في الحافلات: “ضع كتابًا وخذ آخر”
- تشجيع تداول الكتاب خارج الفضاءات الرسمية
هذه المبادرات تعكس — كما يقول روباش — رغبة الجيل الجديد في الوصول إلى الكتاب من دون حواجز، بعدما أصبحت بعض المؤسسات الثقافية منغلقة وغير جاذبة للجمهور.
“طواف عنابة الثقافي”… حين يعود المقهى لاحتضان القرّاء
في إحدى مقاهي مدينة عنابة، تابعنا نشاطًا لنادي “أوراق العنّاب” يقوم على مناقشة الكتب وتبادلها، بحضور روّاد المكان، لا النخب فقط.
ومن هذه الجلسات ولدت فكرة “طواف عنابة الثقافي” الذي يعتمد على دراجات هوائية لتوزيع الكتب بالتعاون مع البلدية والمتحف الأثري، في تجربة تربط الثقافة بالمدينة وبالحياة اليومية.
صاحب المقهى يعلّق بابتسامة:
“إذا كان الناس لا يذهبون إلى الكتاب… فليذهب الكتاب إليهم.”
بسكرة تقرأ… محرك وطني للحركة القرائية الشبابية
في الدورة الثامنة لـ الملتقى الوطني للقراءة بمدينة بسكرة، اجتمع شباب يمثلون 30 ناديًا من مختلف جهات الجزائر. كان السؤال المحوري:
كيف نصل بالكتاب إلى قارئ محتمل… ينتظر فقط من يهيئ له الظروف؟
شكري حفيظ رئيس الجمعية يعتبر أن الاكتفاء بالشكوى من عزوف القراءة هو اعتراف بالعجز، مؤكدًا نتائج مبادراتهم الميدانية:
- تنظيم معارض كتب في الفضاءات العامة
- خلق شبكات تواصل ثقافية بين الناس
- جعل الكتاب جزءًا من الحياة اليومية
دعم لا احتواء… دور المؤسسات في تعزيز المبادرات
ويرى نشطاء أن دعم وزارة الثقافة مطلوب، لكن دون تقييد حرية هذه النوادي أو تحويلها إلى نسخ مكررة عن الهياكل التقليدية:
“التعاون بدل الاحتواء… هو ما سيضمن استمرارية الحراك القرائي.”
نحو مشهد ثقافي يُدار من القاعدة إلى القمة
تكشف هذه التجارب أن القراءة في الجزائر ليست في أزمة حضور، بل في أزمة أساليب.
فحين يخرج الكتاب من الرفوف المغلقة إلى المقاهي والحدائق والشوارع، يصبح فعلًا اجتماعيًا نابضًا بالحياة.
وهكذا، تكتب نوادي القراءة صفحة جديدة في الثقافة الجزائرية، عنوانها:
الكتاب يعود إلى الناس… والناس يعودون إلى الكتاب. 📚✨
