
تترقب الأسواق المصرية تحولاً محتملاً في مسار السياسة النقدية خلال الربع الأخير من 2026، بعدما اعتبر بنك مورغان ستانلي أن تراجع التضخم إلى أقل من 13% بداية من أكتوبر قد يفتح الباب أمام البنك المركزي المصري لخفض أسعار الفائدة بنحو 200 نقطة أساس، أي ما يعادل نقطتين مئويتين.
وتأتي هذه التوقعات في وقت يوازن فيه البنك المركزي بين تراجع الضغوط التضخمية من جهة، والحفاظ على استقرار سعر الصرف وجاذبية أدوات الدين المصرية ومواجهة المخاطر الإقليمية من جهة أخرى.
هل يخفض البنك المركزي المصري أسعار الفائدة؟
بحسب تقديرات مورغان ستانلي، فإن انخفاض التضخم إلى أقل من 13% يمثل شرطاً مهماً يمكن أن يسمح بخفض أسعار الفائدة بنحو 200 نقطة أساس خلال الربع الرابع من 2026، مع الإبقاء على سعر فائدة حقيقي موجب عند نحو 4%.
وكان البنك المركزي المصري قد أبقى في اجتماعه الأخير خلال يوليو أسعار الفائدة عند 19% للإيداع و20% للإقراض، مفضلاً الاستمرار في سياسة نقدية حذرة والحفاظ على هامش مناسب للعائد الحقيقي.
ورغم تحسن توقعات التضخم، يرى مورغان ستانلي أن تثبيت أسعار الفائدة يظل السيناريو الأساسي في ظل حالة عدم اليقين والمخاطر الإقليمية.
ويبرز ضمن هذه المخاطر احتمال تعرض الأسواق لموجة جديدة من خروج الاستثمارات أو حدوث تراجع حاد في قيمة الجنيه، وهو ما قد يدفع البنك المركزي إلى تأجيل أي خطوات للتيسير النقدي.
توقعات بانخفاض التضخم في مصر إلى 11.8%
خفض مورغان ستانلي توقعاته لمعدل التضخم في مصر بنهاية العام إلى نحو 11.8%، مقارنة بتوقعات سابقة بلغت 13.5%.
كما عدل البنك تقديراته لذروة التضخم خلال الربع الثالث من 2026 من 17.1% إلى نحو 15.2%، على أن تبدأ معدلات الأسعار بعد ذلك مساراً هبوطياً تدريجياً.
وتعكس هذه التوقعات تحسناً في النظرة المستقبلية للأسعار، إلا أن البيانات الأخيرة تظهر أن الطريق نحو انخفاض مستدام للتضخم قد يشهد بعض التقلبات.
فقد ارتفع معدل التضخم السنوي في المدن المصرية إلى 14.9% خلال يوليو، مقابل 14.3% في يونيو، مدفوعاً جزئياً بارتفاع أسعار الأغذية والمشروبات.
ويستهدف البنك المركزي المصري وصول معدل التضخم إلى 7% بزيادة أو نقصان نقطتين مئويتين، مع توقع اقتراب التضخم من المستوى المستهدف خلال النصف الثاني من عام 2027.
لماذا يتعامل البنك المركزي بحذر؟
رغم احتمالات بدء دورة جديدة لخفض أسعار الفائدة، يتوقع مورغان ستانلي أن تظل الفائدة في مصر عند مستويات مرتفعة نسبياً على المدى المتوسط.
ويرتبط ذلك بحاجة السياسة النقدية إلى تحقيق توازن بين دعم النشاط الاقتصادي والحفاظ على استقرار الأسعار وسعر صرف الجنيه.
فخفض أسعار الفائدة يساعد عادة على تقليل تكلفة الاقتراض بالنسبة للشركات والأفراد وقد يشجع الاستثمار والاستهلاك، لكنه في الوقت نفسه قد يقلل جاذبية أدوات الدين ذات العائد المرتفع إذا حدث بوتيرة أسرع من تراجع التضخم.
ومن هنا يصبح مسار التضخم خلال الأشهر المقبلة عاملاً حاسماً في تحديد توقيت وحجم أي خفض محتمل للفائدة.
تحويلات المصريين بالخارج تدعم الاقتصاد
تشير تقديرات مورغان ستانلي إلى أن الاقتصاد المصري يستفيد من ارتفاع تدفقات النقد الأجنبي، وعلى رأسها تحويلات المصريين العاملين بالخارج.
وتكتسب هذه التدفقات أهمية خاصة في ظل ارتفاع فاتورة استيراد الطاقة، لأنها تساعد على توفير العملات الأجنبية وتقليل جزء من الضغوط على الحساب الجاري.
كما يمثل استقرار سوق الصرف ووجود احتياطيات من النقد الأجنبي عوامل مهمة في قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات الخارجية.
الطاقة تتحول إلى أحد أكبر التحديات
بعيداً عن أسعار الفائدة والتضخم، يرى مورغان ستانلي أن عجز تجارة الطاقة قد يمثل أحد أبرز مصادر الضغط على الحساب الجاري المصري خلال السنة المالية 2026/2027.
ووضع البنك ثلاثة سيناريوهات للعجز تتراوح بين نحو 18 و23 مليار دولار، بحسب أسعار النفط والتطورات الجيوسياسية ومستويات الإنتاج الإقليمي.
وتزداد أهمية هذه التقديرات بالنسبة لمصر نظراً إلى أن ارتفاع أسعار النفط والغاز يؤدي إلى زيادة فاتورة الواردات، وبالتالي زيادة الطلب على العملات الأجنبية.
السيناريو المتفائل: عجز الطاقة عند 18 مليار دولار
في السيناريو الأكثر تفاؤلاً، يتوقع مورغان ستانلي انخفاض عجز تجارة الطاقة إلى نحو 18 مليار دولار.
ويفترض هذا السيناريو تراجع أسعار النفط وانحسار الاضطرابات المرتبطة بمضيق هرمز وعودة مستويات الإنتاج الإقليمي إلى أوضاع أكثر طبيعية.
ومن شأن انخفاض أسعار الطاقة عالمياً أن يقلص تكلفة واردات مصر من النفط والمنتجات البترولية والغاز، ويخفف بالتالي الضغوط على الحساب الجاري واحتياجات البلاد من العملات الأجنبية.
السيناريو الأساسي: العجز يصل إلى 20 مليار دولار
أما السيناريو الأساسي لمورغان ستانلي فيضع عجز تجارة الطاقة عند نحو 20 مليار دولار.
وفي هذه الحالة، تظل تكاليف استيراد الطاقة مرتفعة مقارنة بالسيناريو المتفائل، إلا أن قوة تحويلات المصريين بالخارج وتدفقات النقد الأجنبي قد تساعد على امتصاص جزء من الضغوط.
ويمثل هذا السيناريو نقطة وسط بين تحسن واضح في أسواق الطاقة واستمرار مستويات مرتفعة من المخاطر الجيوسياسية.
السيناريو الضاغط: عجز الطاقة يرتفع إلى 23 مليار دولار
السيناريو الأكثر صعوبة يفترض استمرار علاوة المخاطر على أسعار النفط وبقاء الأسعار العالمية عند مستويات مرتفعة لفترة أطول.
وفي هذه الحالة، يتوقع مورغان ستانلي ارتفاع عجز تجارة الطاقة إلى نحو 23 مليار دولار، بالتزامن مع وصول عجز الحساب الجاري إلى نحو 17 مليار دولار.
ويمثل ارتفاع أسعار النفط، وفقاً لرؤية البنك، أحد أبرز المخاطر الخارجية أمام الاقتصاد المصري، نظراً إلى تأثيره المباشر في تكلفة الواردات والطلب على النقد الأجنبي.
ماذا يعني خفض الفائدة للاقتصاد المصري؟
إذا تحقق سيناريو خفض أسعار الفائدة بمقدار 200 نقطة أساس، فقد تبدأ تداعيات القرار في الظهور على قطاعات متعددة.
قد تستفيد الشركات من انخفاض تدريجي في تكلفة التمويل، بينما يمكن أن تتحسن شهية المستثمرين لتنفيذ توسعات جديدة إذا استمر التضخم في التراجع.
كما يمكن أن ينعكس انخفاض الفائدة مستقبلاً على تكلفة خدمة الدين الحكومي، خصوصاً مع إعادة تسعير وإصدار أدوات دين جديدة.
لكن التأثير لن يكون فورياً أو متساوياً في جميع القطاعات، كما سيظل مرتبطاً بسرعة دورة التيسير النقدي واستقرار الجنيه واتجاه التضخم.
وفي المقابل، سيكون على البنك المركزي الحفاظ على مستوى من أسعار الفائدة يضمن استمرار جاذبية الأصول المقومة بالجنيه وعدم خلق ضغوط جديدة على سوق الصرف.
التضخم والطاقة والجنيه تحدد الخطوة المقبلة
يمكن تلخيص المشهد الاقتصادي المصري خلال الفترة المقبلة في ثلاثة متغيرات رئيسية: التضخم، وأسعار الطاقة العالمية، واستقرار سعر صرف الجنيه.
إذا تراجع التضخم إلى أقل من 13% واستمرت تدفقات النقد الأجنبي وظل سعر الصرف مستقراً، فقد تزداد فرص بدء البنك المركزي دورة جديدة من خفض أسعار الفائدة خلال الربع الأخير من 2026.
أما إذا ارتفعت أسعار الطاقة أو تصاعدت المخاطر الجيوسياسية وأدت إلى ضغوط جديدة على الجنيه والأسعار المحلية، فقد يفضل البنك المركزي تأجيل التيسير النقدي والاستمرار في سياسة الفائدة المرتفعة لفترة أطول.
وبالتالي، فإن توقع خفض الفائدة بنحو 200 نقطة أساس ليس نتيجة محسومة، وإنما سيناريو مشروط باستمرار تحسن التضخم واستقرار المؤشرات الخارجية.
وتبقى بيانات التضخم خلال الأشهر المقبلة، إلى جانب تحركات أسعار النفط والجنيه وتدفقات النقد الأجنبي، من أهم المؤشرات التي ستحدد الاتجاه المقبل للسياسة النقدية المصرية.
