
تتجه أنظار المستثمرين في الأسواق العالمية، اليوم الأربعاء، إلى الولايات المتحدة مع ترقب صدور بيانات مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE)، أحد أهم مؤشرات التضخم التي يتابعها مجلس الاحتياطي الفيدرالي لتقييم مسار الأسعار واتخاذ قرارات السياسة النقدية.
وتأتي البيانات في وقت حساس للأسواق، وسط تساؤلات بشأن قدرة التضخم الأميركي على مواصلة التراجع بما يمهد الطريق أمام تخفيف السياسة النقدية، أو استمرار الضغوط السعرية بما يدعم بقاء أسعار الفائدة الأميركية مرتفعة لفترة أطول.
وانعكست حالة الترقب على معظم فئات الأصول، من الأسهم والسندات والدولار إلى الذهب والعملات المشفرة، في انتظار أرقام قد تعيد تشكيل توقعات المستثمرين بشأن الخطوات المقبلة للاحتياطي الفيدرالي.
الأسواق العالمية تترقب بيانات PCE الأميركية
تحركت العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأميركية في نطاق محدود قبل صدور بيانات التضخم، مع تجنب المستثمرين بناء مراكز كبيرة إلى حين اتضاح الصورة بشأن اتجاه الأسعار.
وفي سوق السندات، هدأت عوائد سندات الخزانة الأميركية بعد موجة ارتفاع دفعتها إلى مستويات مرتفعة خلال الأيام الماضية، بينما ظل الدولار قريباً من مستوياته المرتفعة الأخيرة.
وقد تشهد الأسواق تحركات قوية إذا جاءت بيانات نفقات الاستهلاك الشخصي بعيدة عن توقعات المحللين، خصوصاً مع تركيز المستثمرين بالتوازي على الإشارات المرتبطة بمسار السياسة النقدية الأميركية.
توقعات مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي PCE
تشير متوسطات توقعات الاقتصاديين إلى تسجيل مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي، الذي يستبعد أسعار الغذاء والطاقة الأكثر تقلباً، نمواً سنوياً يبلغ نحو 3.3%، دون تغير كبير عن الشهر السابق، مع توقع ارتفاع شهري محدود.
وتشير هذه التقديرات إلى أن التضخم لا يزال أقل من الذروة التي بلغها خلال السنوات الماضية، إلا أن وتيرة التراجع قد لا تكون بالسرعة التي يرغب فيها صناع السياسة النقدية.
وتكتسب القراءة الأساسية للمؤشر أهمية كبيرة نظراً إلى استخدامها في تقييم الضغوط التضخمية بعيداً عن التقلبات الحادة في أسعار الغذاء والطاقة.
ماذا تعني بيانات التضخم لأسعار الفائدة؟
أصبحت مؤشرات التضخم خلال الفترة الأخيرة من أبرز العوامل التي تحرك توقعات المستثمرين بشأن قرارات الاحتياطي الفيدرالي.
فإذا جاءت قراءة PCE أعلى من توقعات الأسواق، فقد تعزز الاعتقاد بأن التضخم لا يزال يمثل تحدياً، ما قد يدعم سيناريو الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول.
وفي المقابل، فإن صدور بيانات أضعف من المتوقع قد يزيد الرهانات على إمكانية الاتجاه نحو تيسير السياسة النقدية وخفض أسعار الفائدة مستقبلاً.
ولا يركز المستثمرون على الرقم الرئيسي فقط، بل يبحثون أيضاً عن مؤشرات تساعدهم على تحديد اتجاه التضخم خلال الأشهر المقبلة، في ظل استمرار قوة الإنفاق الاستهلاكي والمرونة النسبية لسوق العمل الأميركي.
الذهب يستقر قرب 4640 دولاراً للأونصة
وفي سوق المعادن النفيسة، استقر سعر الذهب بعد سلسلة مكاسب امتدت لخمس جلسات، مع تحول اهتمام المستثمرين نحو مستقبل أسعار الفائدة الأميركية.
وتداول الذهب بالقرب من 4640 دولاراً للأونصة، متراجعاً بشكل طفيف عن أعلى مستوى له في ثلاثة أشهر الذي سجله خلال الجلسة السابقة.
ورغم التراجع المحدود، حقق المعدن النفيس مكاسب تقارب 7% خلال أسبوع، وسط تجدد اهتمام المستثمرين بالذهب كأصل للتحوط في ظل المخاوف المرتبطة بالدين والعجز المالي والتقلبات في أسواق السندات والعملات.
كما تجاوز الذهب متوسطه المتحرك لـ200 يوم، وهو مستوى فني يراقبه المتعاملون لتقييم زخم السوق واتجاهاته على المدى الطويل.
صناديق الذهب تسجل تدفقات قوية
امتد الزخم الإيجابي إلى صناديق الاستثمار المتداولة المدعومة بالذهب، إذ أضافت الصناديق التي تتابعها بلومبرغ أكثر من 28 طناً من الذهب خلال الأسبوع الماضي، في أكبر زيادة أسبوعية منذ يناير.
ويشير ذلك إلى اتساع نطاق الطلب على المعدن النفيس وعدم اقتصاره على التحركات قصيرة الأجل في أسواق العقود الآجلة.
ومع ذلك، لا تزال بعض المؤسسات المالية حذرة بشأن إمكانية استمرار الصعود بالوتيرة نفسها، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة وبقاء مخاطر التضخم عاملاً مؤثراً في توقعات أسعار الفائدة.
كيف تؤثر بيانات PCE على الأسهم والدولار والذهب؟
قد تمتد تداعيات بيانات التضخم الأميركية إلى مختلف الأسواق المالية.
الأسهم الأميركية: ارتفاع التضخم عن المتوقع قد يزيد مخاوف استمرار أسعار الفائدة المرتفعة، وهو ما قد يضغط على تقييمات الشركات ويرفع تكلفة التمويل.
السندات: البيانات القوية للتضخم قد تدفع عوائد سندات الخزانة إلى الارتفاع، بينما يمكن للقراءات الأضعف أن تخفف الضغوط على العوائد.
الدولار الأميركي: قد يستفيد الدولار من توقعات استمرار السياسة النقدية المتشددة، في حين قد يتعرض للضغط إذا زادت احتمالات خفض الفائدة.
الذهب: يستفيد المعدن النفيس عادة من انخفاض العوائد الحقيقية وتراجع الدولار، بينما يمكن لارتفاع العوائد وتوقعات الفائدة المرتفعة أن يحد من مكاسبه.
بيتكوين تستقر عند 80 ألف دولار
امتدت حالة الترقب إلى سوق العملات المشفرة، حيث توقف صعود بيتكوين مؤقتاً مع انتظار المستثمرين بيانات التضخم الأميركية.
واستقرت أكبر عملة مشفرة في العالم بالقرب من مستوى 80 ألف دولار، في ظل ترقب انعكاسات بيانات PCE على شهية المخاطرة والسيولة واتجاه أسعار الفائدة.
وتتأثر الأصول الرقمية بصورة متزايدة بتوقعات السياسة النقدية الأميركية، إذ تميل ظروف السيولة الأكثر مرونة وانخفاض أسعار الفائدة إلى دعم شهية المستثمرين تجاه الأصول عالية المخاطر.
نتائج إنفيديا تضيف اختباراً جديداً للأسواق
ولا تقتصر اهتمامات المستثمرين على بيانات التضخم، إذ تترقب الأسواق أيضاً نتائج شركة إنفيديا باعتبارها أحد أبرز المحركات لقطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
وقال استراتيجي الأسواق المالية في شركة بيبرستون أحمد عسيري إن الأسواق تركز بصورة أساسية على نتائج إنفيديا إلى جانب بيانات مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي.
وأشار إلى أن توقعات المستثمرين لنتائج الشركة أصبحت مرتفعة للغاية في ضوء سجلها خلال الفصول الماضية، موضحاً أن التقديرات تشير إلى إيرادات تقارب 92 مليار دولار خلال الربع الأخير، بنمو فصلي بنحو 13% ونمو سنوي يقترب من الضعف.
ومن شأن أي مفاجأة كبيرة في نتائج إنفيديا أن تضيف المزيد من التقلبات إلى وول ستريت، بالتزامن مع رد فعل المستثمرين على أرقام التضخم.
لماذا يعتبر مؤشر PCE مهماً للاحتياطي الفيدرالي؟
تكمن أهمية مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي في كونه من المقاييس الرئيسية التي يعتمد عليها الاحتياطي الفيدرالي في تقييم التضخم.
ويتميز المؤشر بقدرته على رصد التغيرات في أنماط إنفاق المستهلكين بصورة أوسع، وهو ما يساعد صناع السياسة النقدية على تقييم مدى تقدم التضخم نحو مستهدف البنك المركزي البالغ 2%.
ولهذا فإن أي مفاجأة كبيرة في بيانات PCE يمكن أن تؤثر سريعاً في توقعات أسعار الفائدة، وبالتالي في تحركات الأسهم والسندات والدولار والذهب والعملات المشفرة.
سيناريوهات الأسواق بعد صدور بيانات التضخم
ستكون مقارنة الأرقام الفعلية بتوقعات المستثمرين العامل الأهم في تحديد رد فعل الأسواق.
إذا جاء التضخم أعلى من المتوقع، فقد ترتفع عوائد السندات والدولار مع تراجع احتمالات التيسير النقدي، وهو سيناريو قد يشكل ضغطاً على الأسهم والذهب والأصول عالية المخاطر.
أما إذا جاءت البيانات أقل من المتوقع، فقد تتزايد رهانات خفض الفائدة، ما يمكن أن يدعم الأسهم والذهب وبعض الأصول عالية المخاطر، مع احتمال تعرض الدولار وعوائد السندات لضغوط.
وفي حال جاءت القراءة قريبة من التوقعات، فقد يتحول تركيز المستثمرين سريعاً إلى تصريحات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي والبيانات الاقتصادية المقبلة بحثاً عن إشارات أوضح بشأن توقيت التحول في السياسة النقدية.
وبذلك لا يمثل تقرير نفقات الاستهلاك الشخصي مجرد قراءة جديدة للتضخم، بل اختباراً مهماً للأسواق العالمية ولرهانات أسعار الفائدة الأميركية خلال الفترة المقبلة.
