
في خطوة مفاجئة وصفتها الصحافة الأميركية بأنها “غريبة ومحفوفة بالرمزية”، أقدمت وزارة الأمن الداخلي الأميركية (DHS) على نشر لوحة فنية للفنان الراحل توماس كينكاد تحمل عنوان “عهد الصباح”، عبر حساباتها الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي: فيسبوك، إنستغرام، وتويتر، مرفقة بعبارة مقتضبة لكنها مثيرة: “احمِ الوطن”.
اللوحة، التي تعود بأسلوبها إلى نمط رومانسي يصوّر أميركا في منتصف القرن العشرين، بدت للوهلة الأولى مشهداً بريئاً ومثالياً: شوارع بلدة صغيرة، سيارات كلاسيكية، مدرسة تقليدية، والعلم الأميركي يرفرف في فناء المدرسة. لكنها سرعان ما تحولت إلى رمز صادم للنقاشات السياسية والثقافية المحتدمة في أميركا المعاصرة.
ردود أفعال متفجرة على وسائل التواصل
لم تمرّ هذه الخطوة مرور الكرام. فقد اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي بعشرات الآلاف من التعليقات التي اعتبرت اللوحة أداة دعائية محمّلة بالحنين الزائف إلى “أميركا البيضاء المحافظة”.
- أحد المستخدمين أضاف العلم النازي بجانب العلم الأميركي، في إشارة صادمة إلى ما اعتبره “تطرفاً قومياً متستراً خلف الوطنية”.
- مستخدم آخر استبدل العلم الأميركي بالعلم الإسرائيلي وعلّق قائلاً: “نحن محتلون”، في إشارة إلى النفوذ الصهيوني في السياسة الأميركية.
- فنان رقمي ثالث أدخل سيارة “تسلا” إلى المشهد، لتتحول اللوحة من ماضٍ محافظ إلى مستقبل تهيمن عليه شركات التكنولوجيا ورجالها النافذون، وعلى رأسهم إيلون ماسك.
بل وذهبت إحدى الناشطات إلى “تصحيح” اللوحة بصرياً، مضيفة شخصيات من ذوي البشرة السمراء والهسبان، ووصفت إحدى النساء في اللوحة بأنها “مهاجرة مثلية من هايتي”، بينما الرجل الذي بجانبها “متحوّل جنسياً”، في مشهد يسخر من غياب التنوع العرقي والجنسي في اللوحة الأصلية.
فن “النور” في زمن الظلال
الناقدة الفنية سارة كاسكون من موقع “آرت نت” علّقت بحدة قائلة:
“إنه رسّام النور، لكنها لحظة ظلام لأمتنا”.
ورأت كاسكون أن مشاركة وزارة حكومية لهذه اللوحة لا يمكن فصلها عن السياق السياسي الأوسع، موضحة:
“من السهل فهم كيف أن من يُعرف بـ’رسام النور’، يجذب أنصار شعار ‘لنجعل أميركا عظيمة مجددًا’، لكن الترويج لحنين أبيض بأسلوب كينكاد من خلال منصّة رسمية، يمثل دعاية شبه حكومية لنسخة مُبَتذَلة من التاريخ الأميركي“.
التوقيت… ليس بريئاً
اللافت في الأمر أن نشر هذه اللوحة تزامن مع الكشف عن معلومات خطيرة حول معسكر احتجاز سري في ولاية فلوريدا، يُعرف باسم “ألكاتراز التمساح”، أنشأته إدارة الرئيس السابق دونالد ترمب خلال ثمانية أيام فقط.
هذا المعسكر، الذي شُيِّد باستخدام مقطورات وخيام من وكالة إدارة الطوارئ الفيدرالية (FEMA)، استُخدم لاحتجاز مهاجرين اعتقلتهم إدارة الهجرة والجمارك (ICE)، وهي تابعة أيضاً لوزارة الأمن الداخلي.
البعض رأى في التوقيت محاولة لصرف الأنظار، أو استخدام رمزية فنية لتجميل وجه سياسات قمعية مثيرة للجدل.
من هو توماس كينكاد؟ الفنان المثير للانقسام
ولد توماس كينكاد عام 1958 وتوفي عام 2012، لكنه ترك إرثاً فنياً لا يزال يثير الجدل. يُعرف بلقب “رسام النور” بسبب أسلوبه الذي يركز على الضوء الدافئ والمناظر الحالمة.
في الثمانينيات والتسعينيات، بنى كينكاد إمبراطورية تجارية هائلة، حيث بيعت أعماله على نطاق واسع، من اللوحات الزيتية الأصلية إلى المطبوعات والتذكارات المنزلية.
رغم شعبيته لدى الطبقات المحافظة والإنجيليين الأميركيين، كان يُنتقد بشدة في الأوساط الفنية النخبوية، التي اعتبرت فنه “مبتذلاً وموجّهاً للجماهير غير المثقفة”.
وقد وصفه الناقد الفني جيري سالتز في نعيه بمجلة “نيويورك” بأنه:
“مثال للفن العاطفي الواضح والمحافظ”.
بينما كتب الصحفي توماس إل. ماكدونالد:
“كينكاد فنان موهوب بشكل استثنائي… لكن بذوق سيء للغاية”.
السياسة تقتحم الفن: لماذا أثارت اللوحة كل هذا الغضب؟
السؤال الجوهري هنا ليس عن جمال اللوحة أو قبحها، بل عن استخدامها كأداة رمزية ضمن سياق سياسي معقد.
فاللوحة تمثل تصورًا مثاليًا لأميركا “النقية” و”المتناغمة”، لكن هذه الصورة تتجاهل الواقع التاريخي للتمييز العنصري، وقمع الأقليات، والتفاوت الطبقي، وهي أمور لا تزال تؤرق الوعي الأميركي حتى اليوم.
ومع تصاعد الخطابات القومية والشعبوية في أميركا، أصبح الفن أداة إضافية في المعركة الثقافية الدائرة بين تيارين:
- تيار محافظ يحنّ إلى “أميركا القديمة”.
- وتيار تقدمي يسعى إلى إعادة تعريف الهوية الأميركية بشكل أكثر شمولاً وعدالة.
خلاصة: لوحة واحدة كشفت انقسام أمة
ربما لم تكن وزارة الأمن الداخلي تتوقع أن مجرد نشر لوحة فنية سيطلق موجة من الانتقادات اللاذعة، لكن ما حدث يعكس عمق الانقسام الثقافي والسياسي في المجتمع الأميركي.
إنه مثال حيّ على كيف يمكن لصورة رومانسية بريئة، أن تتحول إلى مرآة تعكس صراعات أمة تبحث عن هويتها في عالم سريع التغير.
