
في زمن أصبحت فيه الكتابة عن السينما موزعة بين المواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي، يأتي كتاب «أفلام غير مشاهدة بدقة» ليطرح سؤالًا يتجاوز تقييم الأفلام إلى مستقبل النقد السينمائي نفسه: هل ما زلنا نشاهد الأفلام بالقدر الكافي من التأمل الذي يسمح لنا باكتشاف قيمتها الحقيقية؟
الكتاب، الصادر عن دار ديوان بالقاهرة، وُلد من محاولة لمواجهة الطبيعة المؤقتة والهشة للنشر الرقمي، بالتزامن مع مرور ربع قرن من الألفية الحالية وقرن وربع القرن على بداية السينما، ليعيد الاعتبار إلى الكتابة النقدية بوصفها ذاكرة قادرة على البقاء وإعادة اكتشاف الأفلام بعد سنوات من عرضها.
ولا يقدم «أفلام غير مشاهدة بدقة» مجرد مراجعات سينمائية تقليدية، وإنما يعود إلى عشرات الأفلام المصرية والعربية باحثًا عن التفاصيل والجماليات والأفكار التي ربما لم تحصل على نصيبها الكافي من القراءة والتحليل.
خمسة نقاد يعيدون قراءة السينما المصرية والعربية
يضم الكتاب مجموعة من الدراسات والمقالات النقدية المعمقة التي كتبها خمسة من شباب النقاد السينمائيين في مصر، هم:
رحمة الحداد، أحمد عزت عامر، حسام السيد، حسن فهمي، ومحمد عوض يوسف
وينطلق المؤلفون في رحلتهم من فكرة أساسية مفادها أن شهرة الفيلم أو نجاحه الجماهيري لا تعني بالضرورة أنه حظي بالقراءة النقدية التي يستحقها.
فقد يعرف الجمهور فيلمًا ويحفظ مشاهده وشخصياته، وربما يتحول العمل إلى جزء من الذاكرة السينمائية، بينما تظل جوانب مهمة من لغته البصرية أو بنائه السردي أو أفكاره بعيدة عن التحليل.
نحو 60 فيلمًا تستحق المشاهدة من جديد
يرصد الكتاب قرابة 60 فيلمًا من السينما المصرية والعربية، بعضها لم يحصل على التقدير الفني الكافي، بينما حقق بعضها الآخر شهرة ونجاحًا جماهيريًا كبيرين، لكن مؤلفي الكتاب يرون أن الشهرة وحدها لم تكن كافية للكشف عن القيمة الكاملة لهذه الأعمال.
ولهذا لا يسعى الكتاب فقط إلى إعادة الاعتبار لأفلام منسية، بل يحاول أيضًا إعادة فتح النقاش حول أفلام معروفة، من خلال البحث عن تفاصيل وأفكار لم تحظَ بالانتباه الكافي عند مشاهدتها أو الكتابة عنها.
وتغطي الاختيارات مراحل زمنية متعددة من تاريخ السينما، دون التقيد بعقد أو جيل محدد.
فمن أفلام الستينات والسبعينات يحضر «في بيتنا رجل» و**«البوسطجي»** و**«السقامات»** و**«زوجتي والكلب»، ثم ينتقل الكتاب إلى أعمال من الثمانينات والتسعينات مثل «العوامة رقم 77» و«عرق البلح»** و**«هستيريا»**.
وتصل الرحلة إلى أفلام أكثر حداثة، من بينها «إبراهيم الأبيض» و**«ميكروفون»** و**«ريش»** و**«البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو»**.
هذا الامتداد الزمني يجعل الكتاب أقرب إلى رحلة عبر تحولات السينما العربية وطرق قراءتها، وليس مجرد قائمة لأفلام من فترة بعينها.
عشرة فصول تبحث عما وراء الصورة
تتوزع القراءات النقدية في «أفلام غير مشاهدة بدقة» على عشرة فصول، يتناول كل منها ثيمة محددة يمكن من خلالها إعادة قراءة مجموعة من الأفلام.
وتحمل الفصول عناوين لافتة، من بينها «الضحك: صورة مشوشة للواقع»، و**«يقظة كافكاوية»، و«صورة بديلة للذكورة»، و«تحديقة نسائية»، و«تأملات في العنف»، و«رسائل بين الحياة والموت»**.
وبدلًا من تصنيف الأفلام اعتمادًا على تاريخ الإنتاج أو المخرج أو النوع السينمائي فقط، تسمح هذه الثيمات بخلق حوار بين أعمال قد تبدو متباعدة، لكنها تلتقي عند أفكار إنسانية وفنية مشتركة.
هل ما زلنا بحاجة إلى الناقد السينمائي؟
يطرح الكتاب قضية أخرى لا تقل أهمية عن الأفلام التي يناقشها، وهي مستقبل النقد السينمائي في عصر الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي.
وفي تقديمه للكتاب، يتوقف أحمد عزت عامر عند سؤال طرحته صحيفة «الغارديان» البريطانية حول الحاجة إلى النقاد السينمائيين في العصر الحالي.
وهو سؤال يعكس التحولات التي أصابت المهنة؛ إذ لم يعد الناقد وحده من يقدم رأيًا عامًا حول الفيلم، وأصبحت الانطباعات والتقييمات تنتشر لحظة عرض الأعمال عبر الفضاء الرقمي.
لكن وظيفة النقد التي يدافع عنها الكتاب تبدو مختلفة عن مجرد إخبار الجمهور ما إذا كان الفيلم جيدًا أو سيئًا.
فالناقد يستطيع أن يمنح المشاهد زاوية جديدة لرؤية الفيلم، ويكشف له عن طبقات من المعنى أو تفاصيل فنية ربما مرت أمامه دون أن ينتبه إليها.
ويصبح النجاح الحقيقي للمقال النقدي عندما يدفع القارئ إلى التفكير: أريد مشاهدة هذا الفيلم مرة أخرى بعد قراءة هذه الرؤية عنه.
لماذا «أفلام غير مشاهدة بدقة»؟
كان اختيار الأفلام واحدًا من أهم الأسئلة التي واجهت مؤلفي الكتاب خلال جلساتهم التحضيرية.
لم يكن الهدف البحث فقط عن أفلام مجهولة أو فشلت تجاريًا، وإنما اختيار أعمال تتمتع بقيمة وجمال واضحين، لكنها لم تُقدَّر بالقدر الذي تستحقه، أو ربما نالت التقدير لأسباب لا تكشف بصورة كاملة عن جوانب تميزها.
ومن هنا جاء عنوان «أفلام غير مشاهدة بدقة» بوصفه مشاغبة فكرية مع كتاب الناقدة الأميركية مارلين فيب «أفلام مشاهدة بدقة – مدخل إلى تقنية وفن السرد السينمائي».
العنوان بذلك لا يشير بالضرورة إلى أفلام لم يشاهدها الجمهور، وإنما إلى أفلام شاهدناها بالفعل، لكن ربما لم نتوقف أمامها بما يكفي لاكتشاف كل ما تحتوي عليه.
«في بيتنا رجل».. إعادة اكتشاف سينما هنري بركات
يقدم فيلم «في بيتنا رجل» مثالًا واضحًا على الفكرة التي يقوم عليها الكتاب.
الفيلم من إخراج هنري بركات وإنتاج عام 1961، وبطولة عمر الشريف ورشدي أباظة وزبيدة ثروت، ويحظى بمكانة معروفة ضمن تاريخ السينما العربية، حتى إنه حاضر في قائمة أفضل 100 فيلم عربي الشهيرة.
ومع ذلك، يرى الكتاب أن التقدير الذي حصل عليه لم يصل إلى مستوى بعض أفلام بركات الأخرى مثل «الحرام» و**«دعاء الكروان»** و**«الباب المفتوح»**.
وحتى عندما يُشاد بـ«في بيتنا رجل»، فإن الحديث عنه لا يدخل دائمًا في اشتباك عميق مع جمالياته الخاصة، وهو ما أبقى جوانب من إبداع بركات في السرد والأداء الإخراجي بعيدة نسبيًا عن التحليل المتعمق.
«مشوار عمر».. فيلم محمد خان الذي بقي في الظل
تتكرر الفكرة نفسها مع المخرج محمد خان.
فعند الحديث عن تجربته، تستدعي الذاكرة سريعًا أفلامًا مثل «الحريف» و**«زوجة رجل مهم»** و**«أحلام هند وكاميليا»، فضلًا عن أعمال جماهيرية مثل «مستر كاراتيه» و«في شقة مصر الجديدة»**.
لكن «أفلام غير مشاهدة بدقة» يتجه إلى تجربة أخرى يرى أنها لم تحصل على مكانتها المناسبة، وهي فيلم «مشوار عمر».
وبهذه القراءة ينتقل الفيلم من منطقة الظل إلى مركز النقاش، في محاولة لفهم قيمته داخل المسيرة السينمائية لمحمد خان بعيدًا عن هيمنة أعماله الأكثر شهرة.
يوسف شاهين وقراءة مختلفة لـ«إسكندرية ليه»
لا يعني اختيار فيلم شهير أن الكتاب سيعيد تكرار ما قيل عنه سابقًا.
ويظهر ذلك بوضوح في قراءة فيلم «إسكندرية ليه» للمخرج يوسف شاهين، حيث يتعامل الكتاب معه من زاوية مختلفة تتعلق بتمثلات الذكورة على شاشة السينما العربية.
ويؤكد هذا الاختيار أن إعادة الاكتشاف لا ترتبط فقط بإخراج فيلم من النسيان، وإنما يمكن أن تحدث أيضًا عندما نطرح سؤالًا جديدًا على عمل معروف ونكتشف داخله معاني لم تكن في صدارة القراءات السابقة.
«هستيريا» وتجربة عادل أديب الأولى
ويمتد البحث عن الأعمال التي تستحق إعادة النظر إلى فيلم «هستيريا» الصادر عام 1996، وهو التجربة الإخراجية الأولى للمخرج عادل أديب.
وينظر الكتاب إلى الفيلم باعتباره حالة ذات خصوصية داخل تاريخ السينما المصرية، ويعيد قراءته ضمن محاولة أوسع لاكتشاف الأعمال التي لم تحصل، من وجهة نظر مؤلفي الكتاب، على المساحة النقدية التي تتناسب مع قيمتها.
من مصر إلى السعودية والسودان وفلسطين
لا يحصر «أفلام غير مشاهدة بدقة» اهتمامه داخل حدود السينما المصرية، بل يفتح أبوابه أمام مجموعة من التجارب السينمائية العربية.
وتشمل الرحلة أعمالًا من السعودية والسودان وفلسطين وتونس ولبنان وسوريا والأردن، بما يعكس تنوع التجارب والأساليب والقضايا داخل السينما العربية الحديثة.
ومن الأفلام التي يتناولها الكتاب «وجدة» للمخرجة السعودية هيفاء المنصور، و**«بيروت الغربية»** للمخرج زياد دويري، و**«نحبك هادي»** للمخرج محمد بن عطية، و**«وداعًا جوليا»** للمخرج محمد كردفاني، إضافة إلى «ذيب» للمخرج ناجي أبو نوار.
وتكشف هذه الاختيارات عن رغبة في تجاوز المركز الواحد والنظر إلى السينما العربية باعتبارها مساحة واسعة من التجارب المختلفة التي يمكن أن تدخل في حوار نقدي مشترك.
كتاب يدعو المشاهد إلى العودة إلى الفيلم
في النهاية، لا تبدو مهمة «أفلام غير مشاهدة بدقة» إعادة تقييم مجموعة من الأفلام فحسب، وإنما محاولة لاستعادة معنى النقد السينمائي نفسه.
فالكتاب ينطلق من فكرة أن الفيلم قد يكون مشهورًا، وقد يشاهده الملايين، ومع ذلك تبقى داخله مناطق لم تُكتشف بعد.
وبين فيلم قديم أعيد اكتشافه وعمل حديث يحتاج إلى قراءة أعمق، تصبح المشاهدة نفسها فعلًا قابلًا للتجدد؛ لأن الفيلم لا ينتهي بالضرورة مع ظهور شارة النهاية.
وربما تكون القيمة الأهم التي يبحث عنها هذا النوع من النقد هي أن يغلق القارئ الكتاب، ثم يعود إلى فيلم اعتقد أنه يعرفه جيدًا، ليكتشف أنه لم يشاهده بالدقة التي كان يتصورها.
