
نستخدم تقنية بلوتوث Bluetooth يوميًا لربط الهواتف بالسماعات والسيارات وأجهزة الكمبيوتر والساعات الذكية، لكن وراء هذا الاسم الشهير قصة تاريخية غير متوقعة تعود إلى أكثر من ألف عام، وتحديدًا إلى عصر الفايكنغ.
فاسم التقنية لم يُبتكر داخل مختبر حديث، بل استُلهم من لقب هارالد بلوتوث Harald Bluetooth، ملك دنماركي عاش في القرن العاشر الميلادي واشتهر بدوره في توحيد البلاد وتحول الدنمارك إلى المسيحية.
ولا تزال آثار قصته قائمة حتى اليوم في بلدة يلينغ Jelling الدنماركية، حيث يقف حجران أثريان منقوشان بالكتابة الرونية شاهدين على مرحلة مفصلية من تاريخ البلاد.
فكيف انتقل اسم ملك من الفايكنغ عاش قبل أكثر من ألف عام إلى مليارات الهواتف والأجهزة الإلكترونية التي نستخدمها اليوم؟ ولماذا يحمل شعار بلوتوث نفسه رمزًا مرتبطًا باسمه؟
من هو هارالد بلوتوث؟
كان هارالد غورمسون ملكًا للدنمارك خلال القرن العاشر الميلادي، واشتهر تاريخيًا بلقب «بلوتوث».
وقد سُجل هذا اللقب بعد نحو 150 عامًا من وفاته، ويُعتقد أنه كان مرتبطًا بسن داكنة أو «زرقاء»، وربما كان المقصود سنًا متعفنة.
لكن شهرة هارالد التاريخية لا ترتبط بلقبه الغريب فقط.
فمن أبرز الأحداث المنسوبة إلى عهده تحول الدنمارك إلى المسيحية، وهو تحول يُعتقد أنه وقع نحو عام 965 ميلاديًا.
ويظهر ذلك بوضوح على أحد أشهر الآثار التي تركها عصره: حجر يلينغ الكبير.
حجرا يلينغ.. قصة ميلاد الدنمارك على الحجر
تقع بلدة يلينغ على مسافة تقارب 250 كيلومترًا غرب العاصمة الدنماركية كوبنهاغن، وتحتضن اثنين من أهم الأحجار الرونية في تاريخ البلاد.
أمر والد هارالد، الملك غورم، بإقامة الحجر الأصغر والأقدم تخليدًا لذكرى زوجته ثيرا.
وتنبع أهمية هذا الحجر من الاعتقاد بأنه يحمل أول استخدام مكتوب لاسم «الدنمارك» داخل البلاد، ولهذا ارتبط الموقع رمزيًا بفكرة ميلاد الدولة الدنماركية.
أما الحجر الأكبر، فقد أمر هارالد نفسه بإقامته.
وتشير الكتابة الموجودة عليه إلى أن الملك هارالد أخضع الدنمارك والنرويج لسلطته وجعل الدنماركيين مسيحيين.
ويحمل الحجر كذلك واحدة من أقدم الصور المعروفة للمسيح في إسكندنافيا.
ولهذا لا يُنظر إلى حجري يلينغ باعتبارهما مجرد آثار من عصر الفايكنغ، بل بوصفهما شاهدين على مرحلة انتقالية كبرى في تاريخ الدنمارك.
كيف ساعد هارالد في تشكيل الدنمارك؟
قبل عملية توحيد السلطة، كانت مناطق واسعة من شمال أوروبا تتكون من أقاليم أصغر تخضع لزعماء محليين.
وجاء انتشار المسيحية في عهد هارالد ضمن مرحلة سياسية واجتماعية ساعدت على تعزيز الروابط مع أوروبا المسيحية وترسيخ السلطة المركزية داخل المملكة الدنماركية الناشئة.
وبهذا أصبحت قصة هارالد مرتبطة بتحول أوسع من مجتمع الفايكنغ القديم إلى دولة أكثر مركزية واتصالًا ببقية أوروبا.
وتختصر بلدة يلينغ كثيرًا من ملامح هذا التحول.
فالمكان الذي ارتبط في البداية بممارسات الدفن والتقاليد الوثنية شهد في عهد هارالد تداخل العالم القديم مع الدين الجديد.
ولا تزال معالم البلدة تعكس تلك المرحلة حتى اليوم.
لماذا تعد يلينغ واحدة من أهم المناطق التاريخية في الدنمارك؟
يبلغ عدد سكان يلينغ اليوم بضعة آلاف فقط، لكن البلدة الصغيرة كانت في زمن هارالد مركزًا مهمًا للسلطة.
وتضم المنطقة حجري يلينغ، وتلال الدفن، وكنيسة مسيحية، إلى جانب آثار تشير إلى سور خشبي ضخم ومخطط هائل على هيئة سفينة.
وبذلك يجمع الموقع في مساحة واحدة رموزًا من العالم الوثني للفايكنغ وأخرى تعكس دخول المسيحية.
وفي عام 1994، أدرجت منظمة اليونسكو تلال يلينغ والحجرين والكنيسة على قائمة التراث العالمي، لتصبح المنطقة أول موقع دنماركي يحصل على هذا التصنيف.
ويُحفظ الحجران اليوم خلف الزجاج لحمايتهما، بينما يساعد مركز زوار «ملوك يلينغ» على تقديم تاريخ المنطقة والتحول من معتقدات عصر الفايكنغ إلى المسيحية.
لكن أغرب فصول قصة هارالد لم يبدأ إلا بعد مرور أكثر من ألف عام على عصره.
كيف تحول اسم ملك الفايكنغ إلى Bluetooth؟
نصل هنا إلى الجزء الذي يربط التاريخ القديم بالتكنولوجيا الحديثة.
في أواخر تسعينيات القرن العشرين، كان مهندسون من عدد من شركات التكنولوجيا، من بينها إنتل وإريكسون ونوكيا وآي بي إم وتوشيبا، يعملون على تطوير تقنية تسمح للأجهزة المختلفة بالاتصال لاسلكيًا بعضها ببعض.
كان المشروع بحاجة إلى اسم رمزي.
وهنا ظهر اسم Bluetooth.
كان المهندس الأمريكي جيم كارداش من شركة إنتل يتعاون مع مهندسين سويديين عندما دار بينهم حديث عن تاريخ الفايكنغ.
أثار الموضوع فضوله، وبدأ يقرأ عن تاريخ المنطقة، حتى تعرف بصورة أعمق على قصة الملك هارالد بلوتوث.
وجد كارداش تشابهًا جذابًا بين الملك والتقنية التي كان المهندسون يعملون عليها.
فكما ارتبط هارالد تاريخيًا بتوحيد أراضٍ ومناطق تحت سلطة واحدة، كان الهدف من التقنية الجديدة توحيد أجهزة ومنتجات شركات مختلفة وتمكينها من التواصل فيما بينها.
وهكذا أصبح Bluetooth اسمًا رمزيًا للمشروع.
بلوتوث لم يكن من المفترض أن يكون الاسم النهائي
المفارقة أن اسم Bluetooth لم يكن مخططًا له بالضرورة أن يصبح الاسم التجاري الدائم للتقنية.
كان اسمًا رمزيًا أثناء عملية التطوير.
لكن الاسم تسرب وانتشر قبل إعداد الإعلان الرسمي، ومع تميزه وسهولة تذكره، بقي وأصبح في النهاية الاسم الذي يعرفه العالم اليوم.
ولم يكن الجميع مقتنعًا به في البداية.
فوفق الرواية الواردة عن تطوير التقنية، لم يكن مسؤولو العلاقات العامة متحمسين لاسم يعني حرفيًا «السن الزرقاء»، وجرى التفكير في أسماء أخرى أكثر ارتباطًا بالوظيفة التقنية للمنتج.
لكن الأسماء البديلة لم تمتلك الشخصية نفسها.
وانتصر Bluetooth في النهاية.
واليوم أصبح الاسم معروفًا في جميع أنحاء العالم، رغم أن عددًا كبيرًا من مستخدميه لا يعرف أن أصله يعود إلى ملك من عصر الفايكنغ.
ما سر شعار بلوتوث؟
القصة تصبح أكثر إثارة عند النظر إلى شعار Bluetooth الشهير.
فالرمز الذي نراه على الهواتف وأجهزة الكمبيوتر والسماعات ليس تصميمًا عشوائيًا.
إنه مستوحى من الأبجدية الرونية التي استخدمتها الشعوب الجرمانية والإسكندنافية القديمة.
ويجمع الشعار بين رمزين رونيين يمثلان الحرفين:
H — Harald
B — Bluetooth
أي الحرفين الأولين من اسم Harald Bluetooth.
وعند دمج الرمزين معًا ظهر الشكل الذي أصبح واحدًا من أشهر شعارات التكنولوجيا في العالم.
وهكذا لا يحمل Bluetooth اسم ملك الفايكنغ فحسب، بل يحمل شعاره أيضًا توقيعًا رمزيًا لاسمه.
لماذا اختير هارالد بلوتوث تحديدًا؟
تكمن الفكرة الأساسية في التوحيد والربط.
ارتبط هارالد في الرواية التاريخية التي ألهمت مهندسي التقنية بتوحيد الدنمارك والنرويج وتعزيز الدولة الدنماركية.
أما Bluetooth فصُمم ليجعل أجهزة مختلفة قادرة على التواصل فيما بينها عبر معيار مشترك.
بمعنى آخر، وجد المطورون في قصة الملك تشبيهًا مناسبًا لما كانوا يحاولون تحقيقه تقنيًا.
هارالد وحّد مناطق مختلفة، وBluetooth يربط أجهزة مختلفة.
ورغم الفارق الهائل بين عالم الفايكنغ وعالم الاتصالات الرقمية، كانت هذه المقارنة كافية لتمنح التقنية اسمها.
عندما عاد مؤسسو بلوتوث إلى موطن هارالد
بعد مرور سنوات طويلة على نجاح التقنية، شهدت القصة موقفًا طريفًا جمع عالم التكنولوجيا بتاريخ الفايكنغ من جديد.
ففي عام 2023، وبمناسبة مرور 25 عامًا على التقنية، سافر جيم كارداش وعدد من المرتبطين بتأسيس Bluetooth إلى مركز ملوك يلينغ.
وقدموا، على سبيل الدعابة، «اعتذارًا» عن استخدام اسم هارالد من دون الحصول على إذنه.
ورد المتحف بطريقة مشابهة، فقبل الاعتذار ومنحهم الإذن بمواصلة استخدام الاسم لألف عام أخرى.
موقف مرح، لكنه يلخص بصورة لافتة رحلة اسم بدأ في القرن العاشر الميلادي ثم عاد بقوة في عصر الهواتف الذكية.
من أحجار الفايكنغ إلى مليارات الأجهزة
ربما لم يكن الملك هارالد غورمسون يتخيل أن لقبه سيظل حيًا بعد أكثر من ألف عام من عصره، فضلًا عن أن يصبح جزءًا من الحياة اليومية لمليارات البشر.
لكن هذا ما حدث بالفعل.
ففي يلينغ، لا تزال الأحجار الرونية والتلال والكنيسة تحكي قصة مرحلة أساسية من تاريخ الدنمارك.
وفي عالم التكنولوجيا، يستمر اسم Bluetooth وشعاره الروني في تذكيرنا بالقصة نفسها بطريقة مختلفة تمامًا.
في كل مرة تربط فيها هاتفك بسماعة لاسلكية، أو سيارتك بهاتفك، أو جهازين إلكترونيين ببعضهما، فأنت تستخدم تقنية تحمل اسم ملك من عصر الفايكنغ.
إنها واحدة من أغرب نقاط الالتقاء بين التاريخ والتكنولوجيا: ملك عاش قبل أكثر من ألف عام وسعى إلى توحيد مملكته، أصبح اسمه رمزًا لتقنية هدفها أن تجعل الأجهزة المختلفة قادرة على الاتصال ببعضها البعض.
