
بدأت الولايات المتحدة إعادة عشرات المليارات من الدولارات إلى الشركات والمستوردين، بعد إبطال جانب واسع من الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في تطور يعيد ملف التعريفات إلى واجهة الجدل الاقتصادي والقانوني في واشنطن، خصوصاً مع تساؤلات بشأن استفادة المستهلك الأميركي من هذه الأموال.
وأظهرت بيانات قضائية أن إجراءات رد نحو 100 مليار دولار من الرسوم الجمركية قد اكتملت واعتمدتها هيئة الجمارك وحماية الحدود الأميركية، قبل إحالتها إلى وزارة الخزانة للصرف، من إجمالي يقارب 166 مليار دولار جُمعت بموجب الرسوم التي أبطلتها المحكمة العليا الأميركية.
وبينما تستعيد شركات أميركية كبرى مليارات الدولارات، يبرز سؤال أكثر حساسية: هل ستصل فوائد هذه المبالغ إلى المستهلكين الذين تحملوا ارتفاع الأسعار، أم ستبقى معظم الأموال داخل ميزانيات الشركات؟
لماذا تعيد أميركا رسوم ترمب الجمركية؟
تعود القضية إلى قرار المحكمة العليا الأميركية في فبراير 2026، الذي أبطل جانباً واسعاً من سياسة ترمب الجمركية بعدما خلص إلى تجاوز الرئيس سلطاته عند استخدام قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية لفرض تلك الرسوم.
وأدى الحكم إلى فتح الباب أمام إعادة الأموال التي دفعتها الشركات المستوردة، لتبدأ السلطات الأميركية عملية ضخمة لمعالجة طلبات استرداد الرسوم.
وبحسب ملف قدمته هيئة الجمارك وحماية الحدود إلى محكمة التجارة الدولية، وصلت قيمة المبالغ التي اكتملت إجراءات ردها واعتمادها وإحالتها إلى وزارة الخزانة إلى نحو 100 مليار دولار.
ويمثل ذلك قرابة 60% من نحو 166 مليار دولار جُمعت بموجب الرسوم التي شملها حكم المحكمة العليا.
وول مارت وتارجت تتصدران المستفيدين
وأظهرت نتائج أعمال عدد من أكبر شركات التجزئة الأميركية حجم الأموال التي بدأت تعود إلى القطاع الخاص نتيجة إلغاء الرسوم.
وجاءت وول مارت في صدارة الشركات المذكورة بعدما أعلنت استرداد نحو 2.9 مليار دولار، بينما حصلت تارجت على نحو 994 مليون دولار.
كما سجلت هوم ديبوت نحو 730 مليون دولار، وبلغت المبالغ المستردة لدى TJX نحو 331 مليون دولار، بينما حصلت Ross Stores على قرابة 253 مليون دولار، وبلغ نصيب Lowe’s نحو 80 مليون دولار.
وبذلك يصل إجمالي ما أعلنته هذه الشركات الست وحدها إلى نحو 5.3 مليار دولار.
وكانت أمازون قد أعلنت في يوليو حصولها على نحو 600 مليون دولار، فيما تلقت Ace Hardware قرابة 11.8 مليون دولار خلال الربع الجاري.
كما أعلنت شركات أميركية كبرى أخرى، من بينها أبل ونايكي وجنرال موتورز، استفادتها من مبالغ مستردة بمئات الملايين من الدولارات، ما انعكس على نتائجها المالية وأرباحها الفصلية.
أين تذهب مليارات الدولارات المستردة؟
عودة الأموال إلى الشركات لا تعني بالضرورة أن المستهلك الأميركي سيحصل على تعويض مباشر.
وتكمن إحدى أبرز نقاط الجدل في أن الشركات والمستوردين هم الذين دفعوا الرسوم رسمياً للحكومة، بينما تشير دراسات اقتصادية إلى انتقال جزء من التكلفة الفعلية إلى المستهلكين من خلال ارتفاع أسعار السلع.
ومع استرداد الشركات للأموال، تتزايد الضغوط عليها لتمرير جزء من تلك المكاسب إلى عملائها.
وقالت بعض شركات التجزئة إن الأموال المستردة ستُستخدم لخفض الأسعار أو الحد من تأثير ارتفاع تكاليف التشغيل، في حين تعتزم شركات أخرى الاحتفاظ بجزء منها لتعويض نفقات سابقة أو تمويل استثمارات جديدة.
وول مارت تتعهد بخفض الأسعار
أعلنت وول مارت اعتزامها استخدام معظم الأموال المستردة للمساعدة في خفض الأسعار، وهي خطوة قد تسمح للمستهلكين بالاستفادة بصورة غير مباشرة من المليارات التي عادت إلى الشركة.
أما أمازون، فأشارت إلى أنها ستعيد جزءاً من الأموال إلى عملاء دفعوا رسوم استيراد، مع توجيه مبالغ أخرى نحو خفض الأسعار.
وأبدت شركات أخرى، بينها Best Buy وCostco، توجهات مماثلة تجاه تمرير جانب من الفوائد إلى المستهلكين، دون الكشف عن مبالغ محددة.
في المقابل، قالت هوم ديبوت وLowe’s إن الأموال المستردة ستساعد في تعويض تكاليف أخرى، بينما خصصت TJX نحو 112 مليون دولار لتعويضات الموظفين ومكافآتهم.
لماذا لا يحصل المستهلك الأميركي على تعويض مباشر؟
رغم أن ارتفاع الرسوم الجمركية انعكس على أسعار عدد من السلع، لا توجد حتى الآن آلية اتحادية عامة تمنح المستهلك الأميركي حق الحصول تلقائياً على جزء من الأموال المستردة.
وأدى ذلك إلى ظهور دعاوى جماعية ضد بعض الشركات التي حصلت أو تسعى للحصول على مبالغ مستردة، في محاولة للحصول على تعويضات للمستهلكين الذين يقولون إنهم تحملوا تكاليف الرسوم من خلال ارتفاع الأسعار.
لكن هذه القضايا لم تُحسم بصورة نهائية، ما يجعل استفادة المستهلك مرتبطة في الوقت الراهن بسياسات الشركات نفسها أو بنتائج الدعاوى القضائية.
إليزابيث وارن تضغط على الشركات
دخل الجدل أيضاً إلى الساحة السياسية الأميركية، إذ طالبت السيناتور الديمقراطية إليزابيث وارن عدداً من الشركات الكبرى بتمرير فوائد الأموال المستردة إلى المستهلكين.
وشملت مطالبها شركات مثل وول مارت وأبل ونايكي وتارجت، وسط انتقادات لاحتمال احتفاظ الشركات بمبالغ ضخمة رغم أن المستهلكين تحملوا جانباً من الأثر الاقتصادي للرسوم.
في المقابل، دافع وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت عن موقف الإدارة، وحمّل الديمقراطيين مسؤولية ما وصفه بدعم الشركات، مشيراً إلى أن تلك الأموال كانت موجودة في الخزانة قبل إلزام الحكومة بإعادتها.
رسوم ترمب لا تزال تؤثر على الأسر الأميركية
إبطال جانب من الرسوم لا يعني انتهاء تأثير السياسة الجمركية على الاقتصاد الأميركي.
فلا تزال هناك تعريفات أخرى سارية، كما استمرت إدارة ترمب في اللجوء إلى أدوات قانونية وتجارية مختلفة لفرض رسوم جديدة بعد حكم المحكمة العليا.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن مجمل سياسات ترمب الجمركية التي لا تزال قائمة قد ترفع تكلفة المعيشة بالنسبة للأسرة الأميركية بنحو 1100 دولار سنوياً.
وهو ما يجعل قضية الرسوم الجمركية أكبر من مجرد نزاع قانوني بشأن صلاحيات الرئيس، إذ ترتبط بصورة مباشرة بأسعار السلع والقوة الشرائية للأميركيين وأرباح الشركات والسياسة التجارية للولايات المتحدة.
100 مليار دولار تعيد الجدل حول سياسة ترمب التجارية
تكشف عملية إعادة نحو 100 مليار دولار من رسوم ترمب الجمركية عن التداعيات الواسعة لقرار المحكمة العليا، ليس فقط على الحكومة الأميركية وإنما على الشركات والمستهلكين أيضاً.
ففي الوقت الذي تحصل فيه شركات كبرى على مليارات الدولارات، يظل مصير الفائدة التي قد تصل إلى المستهلك الأميركي محل نقاش سياسي وقضائي متصاعد.
وقد يتحول السؤال خلال المرحلة المقبلة من حجم الأموال التي ستعيدها الحكومة إلى الشركات، إلى سؤال أكثر أهمية بالنسبة للأميركيين: من سيستفيد فعلياً من هذه المليارات؟
