
تراجع قرارات البنك المركزي في عدن يكشف تعقيدات الصراع المصرفي في اليمن، وسط ضغوط إقليمية ودولية وأزمة اقتصادية متفاقمة تهدد مستقبل العملة الوطنية ومعيشة ملايين اليمنيين
بينما تقف الجمهورية اليمنية أمام تحولات سياسية واقتصادية عميقة، لا تزال المعركة المالية بين الحكومة المعترف بها دوليًا وجماعة الحوثي تمثل إحدى أكثر جبهات الصراع تعقيدًا، في ظل تداخل الحسابات الإقليمية والدولية مع الانقسام النقدي والمصرفي الذي تعيشه البلاد منذ سنوات
ففي منتصف عام 2024، بدا أن الحكومة اليمنية تتجه نحو استخدام أدواتها السيادية لفرض سيطرة أوسع على القطاع المصرفي، بعدما أصدر البنك المركزي اليمني في عدن سلسلة قرارات استهدفت البنوك المخالفة لتعليماته، في محاولة لإعادة تنظيم النشاط المالي وإنهاء حالة الانقسام بين المؤسسات النقدية في عدن وصنعاء
غير أن هذه الإجراءات لم تستمر طويلًا، إذ شهد يوليو 2024 اتفاقًا لخفض التصعيد الاقتصادي برعاية الأمم المتحدة، تضمن إلغاء القرارات والإجراءات الأخيرة المتبادلة ضد البنوك، الأمر الذي أعاد طرح تساؤلات جوهرية بشأن حدود قدرة الحكومة على استخدام أدوات الضغط المالي، وطبيعة العوامل التي تحكم قراراتها الاقتصادية
فلماذا تراجعت الحكومة اليمنية عن إجراءاتها المصرفية؟ وما الذي يمنعها من تشديد الرقابة المالية على الحوثيين؟ وكيف انعكست هذه التطورات على الاقتصاد اليمني في عام 2026؟
قرارات البنك المركزي في عدن.. بداية المواجهة المصرفية مع الحوثيين
شكّلت قرارات البنك المركزي اليمني في عدن خلال عام 2024 محطة مهمة في مسار الصراع الاقتصادي، بعدما اتجهت السلطات النقدية إلى اتخاذ إجراءات ضد عدد من البنوك التجارية العاملة في مناطق سيطرة الحوثيين
وشملت الإجراءات إيقاف التعامل مع ستة مصارف، من بينها بنك الكريمي وبنك التضامن وبنك اليمن الدولي، على خلفية عدم امتثالها لمتطلبات البنك المركزي المتعلقة بتنظيم النشاط المصرفي
وكانت الحكومة تسعى من خلال هذه الخطوات إلى تعزيز سلطة البنك المركزي في عدن على القطاع المصرفي، والحد من استمرار الانقسام المالي الذي أوجد بيئتين نقديتين مختلفتين داخل الدولة الواحدة
كما ارتبطت الإجراءات بالخلاف حول نقل المراكز الرئيسية للبنوك إلى عدن، وآليات التعامل مع الطبعات النقدية المختلفة، وتنظيم التحويلات المالية والاتصالات المصرفية الدولية
ومثلت هذه القرارات محاولة لاستخدام الأدوات التنظيمية والرقابية في مواجهة التحديات الاقتصادية التي فرضها الانقسام المؤسسي، إلا أنها أثارت في الوقت نفسه مخاوف بشأن تداعياتها المحتملة على حركة التجارة والتحويلات المالية والواردات الأساسية
اتفاق يوليو 2024.. لماذا تراجعت الحكومة اليمنية عن قراراتها المصرفية؟
في 23 يوليو 2024، أعلن مكتب المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن التوصل إلى تفاهم بين الحكومة اليمنية وجماعة الحوثي بشأن خفض التصعيد في القطاع المصرفي والخطوط الجوية اليمنية
وتضمن الاتفاق إلغاء القرارات والإجراءات الأخيرة المتخذة ضد البنوك من الجانبين، والامتناع عن اتخاذ إجراءات مماثلة مستقبلًا، إلى جانب ترتيبات متعلقة برحلات الخطوط الجوية اليمنية وبدء مناقشات لمعالجة القضايا الاقتصادية والإنسانية
وأشاد المبعوث الأممي هانس غروندبرغ بالدور الذي أدته المملكة العربية السعودية في التوصل إلى الاتفاق، مؤكدًا أهمية مواصلة الحوار لمعالجة الانقسام الاقتصادي ودعم فرص التسوية السياسية
لكن هذا التطور أثار نقاشًا واسعًا بشأن تأثير التهدئة على قدرة الحكومة اليمنية على تنفيذ قراراتها السيادية، ومدى إمكانية الفصل بين الإجراءات النقدية والمصرفية من جهة، والحسابات السياسية والأمنية المرتبطة بمسار السلام من جهة أخرى
ومن منظور الحكومة ومؤيدي إجراءاتها، كان استمرار القرارات يمثل فرصة لتعزيز سلطة البنك المركزي وإعادة تنظيم القطاع المصرفي، بينما ركزت الوساطة الدولية على منع التصعيد الاقتصادي والحفاظ على تدفق السلع والخدمات الأساسية
وبذلك، تحولت المعركة المصرفية إلى ملف يتجاوز حدود السياسة النقدية، ليصبح جزءًا من التوازنات السياسية والأمنية التي تحكم مسار الأزمة اليمنية
الحسابات الإقليمية والدولية.. هل تعيق التهدئة استخدام أدوات الضغط المالي؟
تواجه الأطراف الإقليمية والدولية المعنية بالملف اليمني معادلة معقدة تجمع بين دعم الاستقرار الاقتصادي، والحفاظ على فرص التسوية السياسية، وتجنب العودة إلى مواجهة عسكرية واسعة
فأي تصعيد اقتصادي شامل قد يؤدي إلى إجراءات مضادة تؤثر في القطاع المصرفي وحركة الاستيراد والتحويلات المالية، وهو ما يفسر المخاوف الدولية من انتقال الصراع المالي إلى أزمة معيشية أشد تأثيرًا على السكان
وتكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة في بلد يعتمد بصورة كبيرة على الواردات الغذائية والوقود والتحويلات الخارجية والمساعدات الإنسانية
في المقابل، يطرح استمرار الانقسام المصرفي تساؤلات بشأن قدرة المؤسسات النقدية على تطبيق قواعد موحدة للرقابة المالية، وحماية الودائع، ومكافحة غسل الأموال، وتنظيم العلاقات مع المؤسسات المصرفية الدولية
وتتمثل المعضلة الأساسية في كيفية تعزيز سلطة البنك المركزي اليمني على القطاع المالي دون تعريض المواطنين والتجار والمستوردين لاضطرابات إضافية في الخدمات المصرفية وتوفير السلع الأساسية
القطاع المصرفي اليمني بين الانقسام النقدي ومخاطر العزلة المالية
أدى استمرار الانقسام المؤسسي بين عدن وصنعاء إلى تعقيد عمل البنوك التجارية، التي باتت تواجه تعليمات ومتطلبات مختلفة من السلطات النقدية في مناطق السيطرة المتباينة
كما ساهم اختلاف أسعار الصرف والتعامل مع الإصدارات النقدية في زيادة تكاليف التحويلات المالية، وإضعاف الثقة بالعملة الوطنية، وخلق تحديات إضافية أمام التجار والمؤسسات المالية
وتزداد خطورة هذا الوضع مع ارتباط القطاع المصرفي اليمني بشبكات التحويلات الدولية التي تمثل شريانًا أساسيًا لتمويل الواردات واستقبال تحويلات المغتربين
ومن شأن استمرار الانقسام أن يضعف قدرة المؤسسات المالية على التخطيط طويل الأجل، ويزيد تكاليف الامتثال والعمليات المصرفية، ويحد من فرص استعادة الثقة في النظام النقدي
ولهذا، لا تقتصر أهمية المعركة الاقتصادية على السيطرة على البنوك، بل تمتد إلى مستقبل النظام المالي اليمني وقدرته على أداء وظائفه الأساسية في مختلف المحافظات
الأزمة الإنسانية في اليمن.. كيف تؤثر المواجهة المالية على ملايين المواطنين؟
يشكل الوضع الإنساني أحد أبرز العوامل التي تؤثر في التعامل الدولي مع الإجراءات الاقتصادية والمصرفية في اليمن
فبحسب خطة الاحتياجات والاستجابة الإنسانية للأمم المتحدة لعام 2026، تستهدف المنظمات الإنسانية الوصول إلى 12 مليون شخص، بينهم 9.4 مليون شخص ضمن الفئات ذات الأولوية للحصول على المساعدات المنقذة للحياة
وتطلب الخطة تمويلًا يبلغ 2.16 مليار دولار لتوفير المساعدات والحماية، في وقت تعاني فيه العمليات الإنسانية من نقص الموارد وصعوبة الوصول إلى المحتاجين
وتتضاعف هذه التحديات مع استمرار القيود المفروضة على العمل الإنساني في مناطق سيطرة الحوثيين، واحتجاز موظفين تابعين للأمم المتحدة ومنظمات أخرى
وفي 10 يونيو 2026، أعلنت الأمم المتحدة أن 73 من موظفيها ما زالوا محتجزين تعسفيًا لدى سلطات الحوثيين، مطالبة بالإفراج الفوري وغير المشروط عنهم
وتكشف هذه التطورات أن الأزمة الإنسانية لا ترتبط بنقص التمويل وحده، بل تتداخل معها القيود الأمنية والإدارية والانقسام الاقتصادي، ما يزيد صعوبة إيصال المساعدات إلى ملايين اليمنيين
الاقتصاد اليمني في 2026.. انكماش مستمر وتراجع الإيرادات الحكومية
تكشف المؤشرات الاقتصادية لعام 2026 حجم الضغوط التي تواجه الاقتصاد اليمني، بعد سنوات من الحرب والانقسام المؤسسي وتوقف صادرات النفط وتراجع المساعدات الخارجية
ووفق تقرير البنك الدولي الصادر في مايو 2026، انكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لليمن بنسبة 1.5% خلال عام 2025، فيما توقع التقرير آنذاك استمرار الانكماش بنسبة 0.5% في عام 2026
وفي يوليو 2026، قدم صندوق النقد الدولي توقعًا أحدث يشير إلى انكماش الاقتصاد بنسبة 1.5% خلال العام نفسه، في ظل تأثيرات الصراع الإقليمي ونقص الطاقة وضعف الطلب
كما أشار البنك الدولي إلى تراجع الإيرادات العامة إلى 5.6% من الناتج المحلي الإجمالي، مع استمرار الضغوط المالية التي تؤثر في قدرة الحكومة على دفع الرواتب وتمويل الخدمات الأساسية
وتعكس هذه المؤشرات محدودية الموارد المتاحة للحكومة اليمنية، واتساع الفجوة بين الاحتياجات الاقتصادية والإنسانية والقدرة الفعلية على تمويلها
أبرز مؤشرات الاقتصاد اليمني
- انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 1.5% في عام 2025
- توقع صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد بنسبة 1.5% في عام 2026
- تراجع الإيرادات العامة إلى 5.6% من الناتج المحلي الإجمالي وفق تقرير البنك الدولي في مايو 2026
- تغطية 28% فقط من احتياجات خطة الاستجابة الأممية السابقة، وفق بيانات البنك الدولي
- استمرار توقف صادرات النفط والضغوط على المالية العامة
- تزايد الاعتماد على الدعم الخارجي والتحويلات المالية لتمويل الاحتياجات الأساسية
وتوضح هذه الأرقام أن الأزمة الاقتصادية اليمنية لم تعد مرتبطة بتقلبات سعر الصرف وحدها، بل أصبحت تعكس اختلالات هيكلية عميقة في الإيرادات والإنتاج والتجارة والمالية العامة
توقف صادرات النفط.. كيف فقدت الحكومة اليمنية أحد أهم مصادر دخلها؟
يمثل توقف صادرات النفط الخام منذ أواخر عام 2022 أحد أبرز أسباب الأزمة المالية التي تواجه الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا
فقد أدت الهجمات الحوثية على منشآت وموانئ تصدير النفط في حضرموت وشبوة إلى تعطيل مصدر رئيسي للإيرادات العامة والنقد الأجنبي
وانعكس هذا التوقف على قدرة الحكومة على تمويل المرتبات والخدمات الأساسية، كما زاد اعتمادها على الدعم الخارجي والإيرادات المحلية المحدودة
وتشير تقارير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي إلى أن استمرار توقف الصادرات النفطية يحد من قدرة الاقتصاد اليمني على التعافي، ويضعف الموارد المتاحة للحكومة لمواجهة الالتزامات المالية المتزايدة
ولا تتوقف التداعيات عند فقدان الإيرادات المباشرة، بل تمتد إلى تراجع تدفقات النقد الأجنبي، وزيادة الضغوط على العملة الوطنية، وتعقيد تمويل الواردات والخدمات العامة
موازنة اليمن 2026.. تحديات الإيرادات والانقسام المؤسسي
تواجه السياسة المالية للحكومة اليمنية تحديات إضافية مرتبطة بضعف الإيرادات العامة، وتفاوت قدرة المؤسسات الحكومية على تحصيل الموارد وتوريدها إلى البنك المركزي في عدن
وتبرز أهمية توحيد الإيرادات العامة باعتبارها أحد المتطلبات الأساسية لتعزيز قدرة الحكومة على تنفيذ الموازنة وتمويل الخدمات العامة بصورة أكثر انتظامًا
لكن استمرار الانقسام المؤسسي والخلافات بشأن إدارة الموارد وتوزيعها يحد من فاعلية السياسة المالية، ويجعل معالجة الأزمة الاقتصادية أكثر ارتباطًا بالتفاهمات السياسية والإدارية
وفي ظل محدودية الموارد، تصبح قدرة الحكومة على تعزيز التحصيل الضريبي والجمركي، وترشيد الإنفاق، وتحسين الشفافية المالية، عناصر مؤثرة في استقرار الاقتصاد
كما يظل استئناف صادرات النفط أحد الملفات المهمة في أي مسار يستهدف تحسين الإيرادات وتقليل الاعتماد على المساعدات الخارجية
هل تستطيع الحكومة اليمنية استعادة زمام المبادرة الاقتصادية؟
لا ترتبط قدرة الحكومة اليمنية على إدارة المواجهة المالية مع الحوثيين بحجم الإجراءات المصرفية التي يمكن اتخاذها فحسب، بل تتأثر أيضًا بمدى قدرتها على بناء مؤسسات مالية مستقرة وتوحيد الموارد وتحسين إدارة الاقتصاد
فاستعادة الثقة في البنك المركزي تتطلب وجود سياسة نقدية واضحة، وتطبيق قواعد مصرفية قابلة للتنفيذ، وحماية القطاع المالي من الانقسام والاضطرابات المتكررة
كما أن أي إجراءات جديدة تجاه البنوك تحتاج إلى مراعاة آثارها على التحويلات والواردات والودائع، خصوصًا في ظل هشاشة الوضع المعيشي واتساع الاعتماد على التجارة الخارجية
وتبقى التفاهمات السياسية والإقليمية عاملًا مؤثرًا في توقيت القرارات الاقتصادية ونطاق تطبيقها، دون أن يلغي ذلك الحاجة إلى معالجة الاختلالات المالية والمؤسسية التي تعاني منها البلاد
مستقبل المعركة الاقتصادية في اليمن.. بين التهدئة واستعادة الاستقرار المالي
تكشف تجربة القرارات المصرفية لعام 2024 أن الصراع الاقتصادي في اليمن بات جزءًا من معادلة سياسية وأمنية أوسع، تتداخل فيها سلطة المؤسسات النقدية مع مسار المفاوضات وحسابات الأطراف الإقليمية والدولية
ومع استمرار توقف صادرات النفط، وتراجع الإيرادات الحكومية، وضعف التمويل الإنساني، تتزايد أهمية التوصل إلى ترتيبات اقتصادية تضمن استمرار الخدمات المصرفية والتجارية وتحمي معيشة المواطنين
ويبقى السؤال المطروح أمام الحكومة اليمنية والأطراف المعنية بالملف الاقتصادي هو كيفية الانتقال من إدارة الأزمات المؤقتة إلى معالجة أسباب الانقسام النقدي والمالي، واستعادة قدرة المؤسسات على أداء وظائفها بصورة مستقرة
فمستقبل الاقتصاد اليمني لا يتوقف على القرارات المصرفية وحدها، بل يرتبط أيضًا باستئناف النشاط الإنتاجي، وتحسين إدارة الموارد، وتوفير بيئة تسمح باستعادة الثقة في العملة الوطنية والقطاع المالي
وفي نهاية المطاف، يظل المواطن اليمني الطرف الأكثر تأثرًا باستمرار الانقسام الاقتصادي، سواء من خلال تراجع القوة الشرائية أو اضطراب الخدمات أو ارتفاع تكاليف المعيشة، بينما تبقى استعادة الاستقرار المالي أحد الملفات الرئيسية المرتبطة بمستقبل التسوية السياسية في البلاد
