
في عصر التكنولوجيا والعمل المكتبي، أصبح الجلوس لفترات طويلة جزءا أساسيا من الحياة اليومية لملايين الأشخاص حول العالم. لكن المفاجأة التي كشفتها الدراسات الطبية الحديثة هي أن الجلوس المفرط قد يشكل خطرا صحيا كبيرا حتى لدى الأشخاص الذين يمارسون الرياضة بانتظام.
فقد حذر خبراء الصحة من أن نمط الحياة الخامل والجلوس لساعات طويلة يوميا يرتبط بزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب والسكري والسرطان، بل وقد يؤدي إلى الوفاة المبكرة، ما دفع بعض الباحثين لوصف الجلوس بأنه “التدخين الجديد”.
وفي السنوات الأخيرة، تزايدت الأبحاث التي تكشف العلاقة الخطيرة بين الخمول البدني والمشكلات الصحية المزمنة، خاصة مع ارتفاع عدد الأشخاص الذين يقضون معظم أوقاتهم أمام الشاشات أو خلف المكاتب.
الجلوس الطويل يزيد خطر الوفاة وأمراض القلب
بحسب تقرير نشرته صحيفة “واشنطن بوست”، فإن العديد من الدراسات ربطت الجلوس لفترات طويلة بارتفاع معدلات الوفاة المبكرة وأمراض القلب والأوعية الدموية.
وأشارت الدراسات إلى أن الخطر يزداد بشكل واضح لدى الأشخاص الذين يجلسون أكثر من 8 إلى 10 ساعات يوميا، خاصة إذا كان الجلوس متواصلا دون حركة أو فترات استراحة.
وقال كيث دياز، الأستاذ المشارك في الطب السلوكي بمركز كولومبيا الطبي، إن مشكلات الجلوس الطويل ليست جديدة، لكنها أصبحت أكثر انتشارا وخطورة خلال السنوات الماضية بسبب نمط الحياة الحديث والعمل المكتبي.
دراسة صادمة: الجلوس أكثر من 11 ساعة يوميا يرفع خطر الوفاة
كشفت دراسة علمية نُشرت في فبراير 2024 في مجلة جمعية القلب الأميركية عن نتائج مقلقة تتعلق بخطورة الجلوس الطويل، خاصة لدى كبار السن.
وشملت الدراسة نحو 6 آلاف امرأة مسنة تمت متابعتهن لمدة 10 سنوات، ووجد الباحثون أن النساء اللواتي يجلسن أكثر من 11 ساعة يوميا كن أكثر عرضة بنسبة 57 بالمئة للوفاة لأي سبب، مقارنة بمن يجلسن أقل من 9 ساعات يوميا.
كما ارتفع خطر الوفاة بسبب أمراض القلب بنسبة 78 بالمئة لدى النساء اللواتي يقضين ساعات طويلة في الجلوس.
والأكثر خطورة أن النساء اللواتي كن يجلسن لفترات متواصلة دون انقطاع كن الأكثر عرضة للمضاعفات الصحية والوفاة.
كيف يدمر الجلوس الطويل صحة الجسم؟
1- ضعف العضلات واضطراب عملية الأيض
يرى الباحثون أن أول الأسباب الرئيسية وراء خطورة الجلوس الطويل هو تأثيره السلبي على العضلات وعملية التمثيل الغذائي.
وأوضح ستيف نغوين، الأستاذ المساعد بجامعة كاليفورنيا في سان دييغو، أن العضلات أثناء الجلوس تصبح شبه خاملة، ما يقلل قدرتها على امتصاص الجلوكوز وتنظيم مستويات السكر في الدم.
كما أشار كيث دياز إلى أن العضلات تلعب دورا أساسيا في التحكم بمستويات الدهون الثلاثية والسكر في الدم، لكنها تحتاج إلى الحركة والانقباض المستمر لأداء هذه الوظيفة بكفاءة.
وعندما يبقى الجسم في حالة خمول لفترات طويلة، تتراجع كفاءة عملية الأيض، ما يزيد خطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني والسمنة وأمراض القلب.
الجلوس الطويل وتأثيره على الأوعية الدموية
الفرضية الثانية التي تفسر خطورة الجلوس ترتبط بتدفق الدم داخل الجسم.
فبحسب الباحثين، فإن ثني الساقين لفترات طويلة أثناء الجلوس يشبه “التواء خرطوم المياه”، ما يؤدي إلى إبطاء تدفق الدم داخل الأوعية الدموية.
ومع مرور الوقت، قد يؤدي هذا الأمر إلى تصلب الشرايين وضعف مرونة الأوعية الدموية، وهو ما يزيد احتمالات الإصابة بأمراض القلب والسكتات الدماغية.
الجلوس والخمول يسببان آلام الظهر والرقبة
لا تتوقف أضرار الجلوس الطويل عند الأمراض المزمنة فقط، بل تمتد أيضا إلى مشاكل الجهاز العضلي والعظمي.
فالأشخاص الذين يجلسون لفترات طويلة هم الأكثر عرضة للإصابة بآلام الظهر والرقبة بسبب سوء وضعية الجسم وضعف العضلات.
ومع انخفاض قوة العضلات، يصبح الجسم أكثر ميلا للانحناء والترهل أثناء الجلوس، ما يسبب اختلالات عضلية وضغطا مستمرا على العمود الفقري والمفاصل.
هل الجلوس أخطر من التدخين؟
في محاولة لفهم حجم خطورة الجلوس الطويل، أجرى باحثون مقارنة بين تأثير الجلوس والتدخين على معدلات الوفاة.
وأظهرت النتائج أن من بين كل 100 ألف شخص، يتوفى نحو 190 شخصا سنويا بسبب الأضرار الصحية المرتبطة بالجلوس الطويل، بينما يتوفى حوالي 2000 شخص بسبب التدخين.
ورغم أن التدخين يبقى أكثر خطورة، فإن الخبراء يؤكدون أن الجلوس المفرط يمثل تهديدا صحيا حقيقيا ومتزايدا في العصر الحديث.
هل ممارسة الرياضة تكفي لحماية الجسم؟
يعتقد كثير من الأشخاص أن ممارسة الرياضة يوميا تكفي لتعويض ساعات الجلوس الطويلة، لكن الدراسات الحديثة تشير إلى أن الأمر أكثر تعقيدا.
وأوضح الباحث كيث دياز أن ممارسة الرياضة مفيدة للغاية، لكنها لا تلغي بالكامل التأثيرات السلبية للجلوس المفرط.
وأضاف: “حتى إذا كنت تمارس الرياضة، فإن مقدار الجلوس الذي تقوم به ما يزال يؤثر على خطر الإصابة بالأمراض”.
ومع ذلك، تساعد الرياضة بشكل كبير في تقليل هذه المخاطر مقارنة بالأشخاص الذين لا يمارسون أي نشاط بدني.
دراسة: استبدال الجلوس بالحركة يقلل خطر الوفاة
أظهرت دراسة أُجريت عام 2019 على أشخاص تجاوزوا سن 45 عاما أن استبدال 30 دقيقة من الجلوس يوميا بـ30 دقيقة من النشاط البدني الخفيف ساهم في خفض خطر الوفاة بنسبة 17 بالمئة.
ويؤكد ذلك أن الحركة اليومية البسيطة قد تكون ذات تأثير كبير على الصحة العامة وتقليل مخاطر الأمراض المزمنة.
أفضل الطرق لتقليل أضرار الجلوس الطويل
تغيير وضعية الجسم باستمرار
ينصح الخبراء بعدم البقاء في وضعية واحدة لفترة طويلة، سواء كانت جلوسا أو وقوفا.
وأوضح دياز أن الحل الأمثل هو التنويع المستمر بين الجلوس والحركة والوقوف للحفاظ على نشاط العضلات والدورة الدموية.
استخدام المكاتب القابلة للتعديل
أصبحت المكاتب القابلة للتعديل من الحلول الشائعة في أماكن العمل الحديثة، حيث تسمح بالتبديل بين الجلوس والوقوف أثناء العمل.
وأظهرت الدراسات أن هذه المكاتب تساعد في تحسين آلام الظهر والرقبة، كما تعزز الإنتاجية والشعور بالراحة أثناء العمل.
تخصيص فترات منتظمة للحركة
كشفت دراسة أُجريت عام 2023 أن أخذ استراحة للحركة لمدة 5 دقائق كل 30 دقيقة من الجلوس ساعد في تحسين ضغط الدم وتنظيم مستويات السكر مقارنة بالجلوس المتواصل دون حركة.
لذلك ينصح الأطباء بالحرص على المشي أو التمدد بشكل منتظم خلال ساعات العمل أو الدراسة.
نصائح مهمة لتقليل مخاطر الجلوس الطويل
- المشي لبضع دقائق كل نصف ساعة
- ممارسة الرياضة بانتظام
- استخدام السلالم بدلا من المصعد
- الوقوف أثناء المكالمات الهاتفية
- تقليل وقت الجلوس أمام الشاشات
- ممارسة تمارين التمدد يوميا
- استغلال العطل في الأنشطة الحركية بدلا من الخمول
خلاصة
أثبتت الدراسات الحديثة أن الجلوس الطويل لم يعد مجرد عادة يومية عادية، بل أصبح أحد أخطر عوامل الخطر الصحية المرتبطة بأمراض القلب والسكري والوفاة المبكرة.
ورغم أهمية ممارسة الرياضة، فإنها لا تكفي وحدها إذا كان الشخص يقضي معظم يومه في الجلوس دون حركة.
ويبقى الحل الأفضل هو تبني نمط حياة أكثر نشاطا، يعتمد على الحركة المستمرة وتقليل فترات الجلوس الطويلة، للحفاظ على صحة الجسم والعقل وتحسين جودة الحياة على المدى الطويل.
