
يشهد عالم السينما في السنوات الأخيرة تحولًا لافتًا في طبيعة أفلام الرعب التي تجذب الجمهور، خاصة أبناء جيل “زد” (Gen Z)، الذين أصبحوا الفئة الأكثر إقبالًا على هذا النوع من الأعمال الفنية. ويرى خبراء أن السبب لا يعود فقط إلى حب الإثارة أو الخوف، بل إلى ارتباط هذه الأفلام بقضايا واقعية تعكس التحديات النفسية والاجتماعية التي يعيشها هذا الجيل.
جيل زد وعالم مليء بالضغوط
نشأ جيل “زد”، الذي يضم مواليد الفترة بين عامي 1997 و2012 تقريبًا، في ظروف استثنائية مليئة بالأزمات والتغيرات المتسارعة. فمنذ طفولتهم، واجهوا تداعيات الأزمة المالية العالمية، وعايشوا انتشار حوادث إطلاق النار في المدارس، وتأثيرات التغير المناخي، وصولًا إلى جائحة كورونا وما تبعها من اضطرابات اقتصادية واجتماعية.
هذه التجارب، بحسب مختصين في الصحة النفسية، جعلت أبناء هذا الجيل أكثر تقبلًا للأعمال الفنية التي تتناول الجوانب المظلمة والمعقدة من الحياة بدلاً من الاكتفاء بالقصص التقليدية أو النهايات السعيدة.
«Obsession».. رعب يتجاوز الدماء والعنف
يُعد فيلم “Obsession” للمخرج الشاب كاري بيكر واحدًا من أبرز أفلام الرعب التي لاقت صدى واسعًا بين جمهور جيل زد خلال الفترة الأخيرة.
ورغم احتوائه على مشاهد دموية وعنيفة، فإن الفيلم يتجاوز الرعب التقليدي ليطرح قضايا اجتماعية مثيرة للجدل، أبرزها ثقافة “الحبة الحمراء” (Red Pill)، وهي حركة فكرية تنتقد الحركات النسوية الحديثة وتدعو إلى العودة لما تعتبره قيماً تقليدية في العلاقات والمجتمع.
هذا المزج بين الرعب والقضايا الفكرية المعاصرة جعل الفيلم محط نقاش واسع على منصات التواصل الاجتماعي وبين النقاد والجمهور.
«Backrooms».. عندما يتحول القلق إلى فيلم سينمائي
أما فيلم “Backrooms”، المستوحى من سلسلة شهيرة على يوتيوب للمخرج كين بارسونز، فقد نجح في تقديم تجربة مختلفة تعتمد على الرعب النفسي أكثر من الاعتماد على مشاهد الصدمة التقليدية.
ويتناول الفيلم موضوعات مثل العزلة، والاضطرابات النفسية، والشعور بالضياع، والقيود التي يفرضها المجتمع على الفرد، وهي قضايا يراها كثير من أبناء جيل زد جزءًا من واقعهم اليومي.
ولهذا السبب، اعتبره كثيرون أكثر من مجرد فيلم رعب، بل انعكاسًا لحالة نفسية واجتماعية يعيشها الجيل الحالي.
كيف تغيرت أفلام الرعب عبر الأجيال؟
يرى خبراء السينما أن كل جيل يمتلك نوعًا خاصًا من أفلام الرعب يعكس مخاوفه الجماعية.
ففي السبعينيات، انتشرت أفلام القتلة المتسلسلين، بينما ارتبطت أفلام الثمانينيات والتسعينيات بموجة القلق الثقافي والديني. ومع بداية الألفية الجديدة، ظهرت أفلام الزومبي التي عكست أجواء الحرب على الإرهاب والخوف من الكوارث العالمية.
أما اليوم، فيبدو أن جيل زد يفضل الأعمال التي تناقش القضايا الاجتماعية والنفسية المعقدة، وهو ما يفسر الشعبية المتزايدة للرعب النفسي والقصص التي تطرح أسئلة وجودية وأخلاقية.
أرقام تؤكد شعبية الرعب بين جيل زد
تكشف الدراسات الحديثة أن جيل زد أصبح الفئة الأكثر متابعة لأفلام ومسلسلات الرعب مقارنة بجميع الأجيال الأخرى.
وتشير بيانات شركات أبحاث السوق إلى أن نسبة مشاهدة محتوى الرعب بين أبناء هذا الجيل وصلت إلى مستويات قياسية، فيما ارتفعت حصة أفلام الرعب من إيرادات شباك التذاكر في أمريكا الشمالية بشكل ملحوظ خلال العقد الأخير.
ويعكس هذا النمو الطلب المتزايد على القصص التي تجمع بين الغموض والإثارة والتحليل النفسي، بعيدًا عن القوالب التقليدية المعتادة.
نجاح تجاري ضخم لفيلمي Backrooms وObsession
حقق فيلما “Backrooms” و”Obsession” نجاحًا لافتًا في دور العرض، حيث جذب كلاهما أعدادًا كبيرة من المشاهدين الشباب، وساهما في تأكيد أن الرعب أصبح أحد أكثر الأنواع السينمائية رواجًا لدى جيل زد.
ويؤكد هذا النجاح أن الجمهور الجديد لا يبحث فقط عن الخوف أو المفاجآت البصرية، بل ينجذب إلى الأعمال التي تلامس قضاياه اليومية وتمنحه فرصة للتفكير والتحليل بعد انتهاء المشاهدة.
لماذا يفضل جيل زد هذا النوع من الأفلام؟
يرى متخصصون أن جيل زد نشأ في عصر الإنترنت والمحتوى التحليلي ومنصات التواصل الاجتماعي، ما جعله أكثر ميلًا إلى تفكيك الأفكار والبحث عن المعاني الخفية داخل الأعمال الفنية.
ولهذا السبب، يحقق الرعب النفسي والأفلام الغامضة نجاحًا متزايدًا بينهم، لأنها تمنحهم مساحة للتأمل والنقاش والتفسير، بدلاً من تقديم قصص بسيطة أو نهايات متوقعة.
وفي عالم مليء بالتحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، يبدو أن أفلام الرعب لم تعد مجرد وسيلة للهروب من الواقع، بل أصبحت بالنسبة لجيل زد طريقة لفهمه والتعامل معه.
