
أثار قانون الحظر الجديد الذي تعتزم أستراليا تطبيقه للحد من وصول الأطفال لمنصات التواصل الاجتماعي موجة واسعة من الجدل، بعدما تمكنت طفلة تُدعى إيزوبيل (13 عاماً) من التحايل على نظام التحقق في أقل من خمس دقائق فقط، مستخدمة صورة لوالدتها لتأكيد عمرها على “سناب شات”، وهو أحد التطبيقات المشمولة بالقانون.
وتقول إيزوبيل: “وضعتُ صورة أمي أمام الكاميرا، فقبل النظام العمر فوراً. سمعتُ أيضاً أن شخصاً استخدم صورة بيونسيه!”
هذا الموقف الساخر يكشف جانباً من التحديات التقنية التي تواجه القانون، ويثير تساؤلات عميقة حول جدوى تطبيقه.
آمال كبيرة… وصدمة مبكرة لدى الأهالي
تعليق الأم ميل على محاولة ابنتها كان ضاحكاً في الظاهر، لكنها كانت تأمل—كغيرها من الآباء—أن يساعد القانون في حماية الأطفال من مخاطر العالم الرقمي، خاصة التنمر والمحتوى الضار.
لكن سرعان ما بدأت الشكوك تتزايد مع ظهور انتقادات من الخبراء وحتى من الأطفال أنفسهم.
فالقانون، الذي يحظى بمتابعة عالمية ويقلق كبريات شركات التكنولوجيا، يواجه مخاوف عدة، أبرزها:
- ضعف موثوقية تقنيات التحقق من العمر
- احتمال دفع الأطفال إلى استخدام منصات أكثر خطورة
- عزل الأطفال الأكثر هشاشة
- هشاشة تطبيقه مقارنة بمهارة الأطفال في التحايل على الأنظمة
سخط شعبي على شركات التكنولوجيا: “لا نثق بهم”
يتفق معظم الأستراليين على أن شركات التواصل الاجتماعي لم تفعل ما يكفي لحماية الأطفال.
يقول داني إلاشي، والد لخمسة أطفال:
“لا نثق إطلاقاً بأن شركات التكنولوجيا تهتم بأي شيء سوى أرباحها. أُتيحت لهم فرص كثيرة وفشلوا في كل مرة.”
وقد ساهمت حوادث مأساوية، منها انتحار فتاة بعد تنمّر متواصل عبر الإنترنت، في زيادة الضغط الشعبي لفرض قانون يضع حداً لاستخدام القُصّر لهذه المنصات.
ما الذي يتضمنه قانون الحظر الجديد؟
أعلن رئيس الوزراء أنتوني ألبانيز في نوفمبر 2024 عن قانون يلزم منصات التواصل الاجتماعي بالتحقق من أن جميع المستخدمين لا تقل أعمارهم عن 16 عاماً، دون فرض عقوبات على الأهالي أو الأطفال.
وتتضمن أبرز بنود القانون:
- إلزام المنصات باتخاذ “خطوات مناسبة” لتحديد عمر المستخدم
- فرض غرامات قد تصل إلى 49.5 مليون دولار أسترالي عند حدوث انتهاكات
- سنة كاملة منحتها الحكومة لنفسها لوضع خطة التطبيق
- فترة تشاور عامة لم تتجاوز 48 ساعة، ما أثار الانتقادات
لكن بعد مرور عام على الإعلان، ما يزال الكثير من الأسئلة دون إجابات واضحة.
كيف ستطبّق الحكومة الأسترالية قانون الحظر؟
أجرت الحكومة سلسلة من الاختبارات لتقييم تقنيات التحقق من العمر، وتوصلت إلى أن كل الطرق المتاحة:
- ممكنة تقنياً
- لكنها غير مضمونة
- وتنطوي على مخاطر الخصوصية أو ضعف الدقة
أبرز طرق التحقق وآثارها:
1. التحقق باستخدام الوثائق الرسمية
- الأكثر دقة
- لكن يتطلب مشاركة مستندات حساسة
- غالبية الأستراليين لا يثقون بالشركات لحماية بياناتهم
2. استنتاج العمر من نشاط المستخدم
- قد يكون غير دقيق للمراهقين
3. تقنيات مسح ملامح الوجه
- مستخدمة بالفعل في “سناب شات” و“ميتا”
- دقتها تتراجع عند المستخدمين بين 13 و16 عاماً
- تم اختراقها بسهولة، كما أظهرت تجربة قناع “هالوين” بقيمة 22 دولاراً
خبراء يحذرون: “الأطفال أذكى من القانون”
تجارب ميدانية وجامعية أظهرت طرقاً عديدة يمكن للمراهقين استخدامها للتحايل:
- استخدام بريد إلكتروني للوالدين
- اللجوء لمنصات غير مدرجة رسمياً في الحظر
- استعمال VPN لإخفاء الموقع الجغرافي
- استخدام صور أو وجوه أخرى للتحقق
وقد اعترف متحدث باسم “سناب شات” بأن هذه التحديات التقنية “حقيقية وجدية”.
ويقول أحد مسؤولي شركات التحقق من العمر:
“إنها معركة يومية… كلما حسّنا التقنيات، وجد الأطفال طريقة للالتفاف.”
هل يدفع القانون الأطفال نحو مساحات أكثر خطورة؟
إحدى أكبر المخاوف هي أن يؤدي منع الأطفال من منصات معروفة إلى انتقالهم نحو مواقع غير آمنة، مثل:
- غرف الدردشة في ألعاب الفيديو (التي حذّرت الشرطة منها باعتبارها بيئة خصبة للتطرف)
- منصات شبيهة بـ”Omegle” التي أغلقت بعد فضائح استغلال للأطفال
- مواقع دون رقابة تسمح بمحتوى عشوائي وغير مفلتر
كذلك، يستطيع الأطفال تصفح “يوتيوب” و”تيك توك” دون حساب، ما يعرّضهم لمحتوى أقل تنظيماً وإعلانات أكثر عدوانية.
شركات التكنولوجيا في مواجهة القانون: هل ستتعاون فعلاً؟
يقول مدير سابق في فيسبوك:
“الشركات ستطبق القانون… لكن بحده الأدنى.”
مشيراً إلى أن الغرامات ليست رادعاً حقيقياً لشركات تجني مليارات.
كما تواجه الحكومة تحديات قانونية، منها:
- دعوى قضائية رفعها مراهقان بزعم أن القانون غير دستوري
- اعتراضات من منظمات حقوق الإنسان
- احتمال مقاضاة “ألفابت” المالكة لغوغل ويوتيوب
هل يمكن للقانون أن ينجح؟
يرى بعض الخبراء أن هدف القانون ليس منع 100% من الأطفال، بل منع 80% منهم على الأقل، لأن الأغلبية ستؤثر على البقية.
لكن آخرين يخشون أن يخلق القانون شعوراً زائفاً بالأمان لدى الأهالي، وأنه قد يُستخدم لإخفاء الحاجة إلى إصلاحات أعمق.
وتقول إيزوبيل، التي تجاوزت الحظر خلال دقائق:
“إذا تم حجبي… سأنتقل لتطبيق آخر ببساطة.”
خلاصة: بين الطموح والواقع… قانون الحظر الأسترالي تحت المجهر
بين الضغوط الشعبية والخوف على الأطفال من جهة، والتحديات التقنية والقانونية من جهة أخرى، يبدو أن نجاح القانون ليس مضموناً.
فالجدل الحالي يطرح سؤالاً مركزياً:
هل يستطيع قانون كهذا فعلاً تقليل الأضرار التي تلحق بالأطفال على الإنترنت؟ أم أنه سيدفعهم نحو عالم رقمي أكثر خطورة؟
