
عن دار صفصافة للنشر بالقاهرة، صدرت أخيرًا رواية سر الهوى للروائي المصري صبحي موسى، وهي رواية تنفتح على أسئلة الوجود والموت والزمن، من خلال سيرة شخصية إشكالية، تكاد تكون أسطورية، لرجل يرفض الانصياع لقانون الفناء.
الشهايبي: رجل يتحدى الموت
تتمحور الرواية حول شخصية الشهايبي، رجل مسنّ غامض، لا يعرف أحد على وجه الدقة زمن ولادته، وكأنه خرج من فجوة في التاريخ. رجل يراكم الأعمار بدل أن يستهلكها، ويبدو متأبّيًا على الموت، فكلما داهمه حادث ظن الناس أنه الأخير، إلا أنه يفاجئهم بالنهوض من جديد، كما لو أنه يستمد حياة أخرى من مخزون خفي من الأرواح.
تنطلق الرواية من لحظة مفصلية، حين يعتقد الجميع أن الشهايبي قد مات فعلًا، لكنه يفيق فجأة ليقصّ عليهم ما عاشه من أهوال خلال ليلٍ طويل، بينما كان الآخرون غارقين في نومهم الآمن، في مفارقة سردية تضع الحياة والموت في مواجهة مباشرة.
بنية سردية تقوم على تشظي الزمن
تعتمد «سر الهوى» على تقنية تفتيت الزمن، حيث لا يسير السرد في خط مستقيم، بل يتشظى بين:
- الماضي الذي يرويه الشهايبي بصيغ متعددة ومتغيرة، أقرب إلى الاعترافات والأساطير الشخصية.
- الحاضر الذي يرويه الابن عمر، الصحافي الذي يعمل في المدينة، ويعود إلى القرية فور علمه بمرض أبيه.
من خلال هذا التناوب، تتشكل شبكة معقدة من العلاقات والصراعات، أبرزها صراع الشهايبي مع أبنائه، الذين يسعون إلى الحجر عليه وتقاسم تركته قبل موته، بينما هو بدوره يبحث عن وسيلة لحرمانهم من أملاكه، في معركة خفية بين جيلين، تتداخل فيها الأنانية بالخوف، والسلطة بالوراثة.
زواج كخطة قتل ناعمة
يتصاعد الصراع حين يتفق الأبناء على خطة للتخلص من أبيهم دون أن تتلطخ أيديهم بالدم: تزويجه من امرأة صغيرة السن تُدعى زبيدة، اشتهرت بأن أزواجها الثلاثة السابقين ماتوا بعد أشهر قليلة من الزواج بها. يراهن الأبناء على أن يكون الزواج بوابة خلاصهم النهائي.
لكن الابن عمر يكتشف هذه الحيلة، ويحاول قلب المعادلة، فيستدعي زبيدة لا بوصفها أداة موت، بل كفرصة أخيرة لإذابة الجليد المتراكم في جسد أبيه وروحه. غير أن الرواية تفاجئ القارئ بانبعاث جديد للشهايبي، إذ ينهض من موته المفترض، ويختفي فجأة من غرفته، بينما يفتش الأبناء عنه بلا جدوى، في نهاية مفتوحة تعمّق البعد الأسطوري للشخصية.
النساء في حياة الشهايبي: الجسد، الألم، والوفاء
على الرغم من أن الشهايبي عرف عددًا كبيرًا من النساء، فإنه ظل وفيًّا لزوجته فاطمة طوال حياتها، بعد أن قطع على نفسه عهدًا بألا يتزوج عليها. فاطمة، التي اشترط والده أن يبني لها بيتًا واسعًا قبل الزواج، اختارت لاحقًا أن تشاركه العزلة في غرفة أقامها على أرض طرح النهر، في فضاء موحش أطلق عليه الناس اسم «المجهول»، لكثرة ما يُشاع عن اجتياحه بالكائنات الغريبة، من لصوص وقطاع طرق إلى الجن والعفاريت.
ومن بين النساء اللواتي عبرن حياة الشهايبي:
- نجمة، الجميلة التي لا يهدأ صداعها النصفي إلا بالحب العنيف.
- الكاوية، التي عالجت ابنه حمدان بكيّ رأسه بالمسامير الحمراء.
- المليحة، صاحبة البيت الذي تتردد عليه نجمة.
- زبيدة، التي طلبت الزواج منه بعد وفاة زوجها، لكنه رفض وفاءً لوعده لفاطمة.
صراع الإرادة والسلطة بعد موت فاطمة
بعد وفاة فاطمة، حاول الشهايبي أن يفي بوعده القديم لزبيدة، فأرسل بناته لخطبتها، لكن الأمر انقلب ضده. إذ أبلغت البنات إخوتهم الذكور، واتفق الجميع على منعه من الزواج، بل وصل بهم الأمر إلى تهديد زبيدة بالقتل إن قبلت الزواج منه.
في لحظة تحدٍّ أخيرة، قرر الشهايبي أن يتزوجها رغم أنفهم، غير أن زبيدة رفضت، لا خوفًا، بل حفاظًا على معاش زوجها الراحل، في مشهد يلخّص مفارقة الرواية بين الحب والمصلحة، والوفاء والحسابات الباردة.
رواية عن الشيخوخة والسلطة والموت
لا تقدّم «سر الهوى» حكاية رجل عجوز فحسب، بل تطرح أسئلة عميقة عن:
- معنى البقاء في عالم يتربص بالضعفاء
- الشيخوخة بوصفها تهديدًا للورثة
- الجسد كذاكرة للألم واللذة
- والموت كحدث مؤجل لا يُهزم، لكنه يُراوغ
بهذه العناصر، ينسج صبحي موسى رواية غنية، تتداخل فيها الواقعية القاسية مع مسحة أسطورية، لتؤكد حضوره كأحد الأصوات السردية القادرة على تفكيك المسكوت عنه في العلاقات الأسرية والمجتمع الريفي المصري.
