
وقّع ممثلون عن الأطراف السياسية المتنافسة في ليبيا اتفاقاً جديداً يمهد الطريق لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية التي ينتظرها الليبيون منذ سنوات، في خطوة قد تشكل نقطة تحول في الأزمة السياسية المستمرة منذ أكثر من عقد.
وينص الاتفاق، الذي جرى توقيعه يوم الأحد في مقر بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بالعاصمة طرابلس، على العمل لإجراء انتخابات وطنية شاملة خلال مدة لا تتجاوز 24 شهراً، تحت سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات وطنية موحدة.
ويستهدف التفاهم الجديد معالجة مجموعة من الملفات التي عرقلت الانتخابات الليبية خلال السنوات الماضية، وفي مقدمتها القوانين المنظمة للعملية الانتخابية، وإعادة تشكيل المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، إضافة إلى تسوية الخلافات الدستورية والقانونية بين الأطراف الرئيسية.
ويأتي الاتفاق بعد سنوات من الجمود السياسي الذي أعقب تعثر الانتخابات التي كان من المقرر تنظيمها في ديسمبر/كانون الأول 2021 بسبب خلافات حادة حول القوانين الانتخابية وأهلية عدد من المرشحين للرئاسة.
انتخابات ليبيا خلال 24 شهراً
يضع الاتفاق إطاراً زمنياً لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية في ليبيا خلال عامين، على أن تتم العملية تحت سلطة تنفيذية واحدة بدلاً من حالة الانقسام السياسي والمؤسسي القائمة بين شرق البلاد وغربها.
كما يتضمن الاتفاق ترتيبات تهدف إلى إعادة تشكيل المفوضية الوطنية العليا للانتخابات وإجراء تعديلات على الأطر القانونية والدستورية اللازمة لتنظيم انتخابات شاملة تحظى بالمصداقية.
ويحتاج الاتفاق إلى المصادقة عليه من مجلس النواب الليبي، الذي يتخذ من الشرق مقراً له، والمجلس الأعلى للدولة في طرابلس، وذلك خلال شهر من تاريخ توقيعه.
كما ينص على إنشاء آلية متابعة لدعم تنفيذ البنود المتفق عليها وضمان استكمال الإجراءات المطلوبة للوصول إلى الانتخابات.
الدبيبة وحفتر يرحبان بالاتفاق
حظي الاتفاق بترحيب من رئيس حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس عبد الحميد الدبيبة، وكذلك المشير خليفة حفتر، قائد القوات المتمركزة في شرق ليبيا، في مؤشر على وجود دعم من اثنين من أبرز مراكز القوة في المشهد الليبي.
وجرت مراسم التوقيع بحضور المبعوثة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة إلى ليبيا هانا تيته.
وقالت تيته إن الاتفاق جاء نتيجة سلسلة من المحادثات التي بدأت في العاصمة الإيطالية روما واستمرت في تونس خلال الأشهر الأخيرة.
وأوضحت أن التفاهمات تتضمن إعادة تشكيل مفوضية الانتخابات وإدخال تعديلات على الأطر القانونية والدستورية بما يسمح بتنظيم انتخابات شاملة وذات مصداقية.
تنازلات متبادلة بين الأطراف الليبية
من جانبه، قال عبد الرحمن العبار، أحد ممثلي سلطات شرق ليبيا، إن الاتفاق جاء نتيجة عمل قدمت خلاله الأطراف تنازلات متبادلة.
وأكد أن التفاهم الحالي لا يمثل الحل النهائي للأزمة الليبية، لكنه يمكن أن يشكل طريقاً للوصول إلى الهدف الأساسي المتمثل في إجراء الانتخابات.
وفي السياق نفسه، اعتبر مصطفى المانع، عضو وفد الحكومة التي تتخذ من طرابلس مقراً لها، أن الاتفاق يمثل المسار المدني الأفضل لمعالجة الانقسام.
وشدد على أن توحيد مؤسسات الدولة الليبية يجب أن يتم من خلال صناديق الاقتراع واختيار الليبيين لممثليهم.
ما هي محادثات «4+4» في ليبيا؟
جاء الاتفاق بعد محادثات سياسية مصغرة عرفت باسم صيغة «4+4»، وضمت ممثلين عن المؤسسات الأربع الرئيسية المؤثرة في المشهد الليبي.
وشارك في المحادثات ممثلون عن حكومة الوحدة الوطنية والمجلس الأعلى للدولة ومجلس النواب والقيادة العامة للجيش الوطني الليبي.
وتقوم الصيغة على مشاركة ممثلين اثنين عن كل مؤسسة من المؤسسات الأربع، بهدف الوصول إلى تفاهمات بشأن الملفات السياسية والقانونية التي تعرقل إجراء الانتخابات.
وقال وزير الدولة للاتصال والشؤون السياسية في حكومة الوحدة الوطنية وليد اللافي إن الانتخابات الرئاسية والتشريعية ينبغي أن تجرى خلال مدة لا تتجاوز 24 شهراً، في ظل سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات وطنية موحدة.
أما الشيباني أبو همود، رئيس وفد القيادة العامة للجيش الوطني الليبي، فقال إن مجموعة «4+4» ستعمل بالتنسيق مع بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا على إنشاء إطار لمتابعة تنفيذ الاتفاق.
ومن المقرر، بحسب الاتفاق، وضع هذا الإطار خلال شهر من التوقيع لمتابعة الإجراءات والتدابير المطلوبة من مختلف الأطراف.
ماذا يحدث إذا رفض مجلس النواب أو مجلس الدولة الاتفاق؟
يتضمن الاتفاق مساراً بديلاً في حال عدم حصوله على موافقة مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة خلال المهلة المحددة بشهر واحد.
فإذا تعذر إقراره من المؤسستين، ستعمل الأطراف على محاولة اعتماده على المستوى الوطني باعتباره وثيقة دستورية من خلال آليات وطنية أوسع.
كما ينص الاتفاق على العمل للحصول على دعم دولي من خلال مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وهو ما يمنح المسار الجديد بعداً دولياً إلى جانب التوافقات المحلية.
لماذا فشلت الانتخابات الليبية عام 2021؟
يمثل تنظيم الانتخابات أحد أكثر الملفات تعقيداً في ليبيا منذ سنوات.
وكان من المفترض إجراء انتخابات وطنية في ديسمبر/كانون الأول 2021، إلا أن العملية تعثرت قبل الوصول إلى صناديق الاقتراع بسبب خلافات سياسية وقانونية، أبرزها الجدل بشأن أهلية عدد من المرشحين الرئيسيين.
وشكلت القوانين الانتخابية التي أصدرها مجلس النواب عام 2021 إحدى أبرز نقاط الخلاف بين القوى السياسية.
وتركز الجدل بشكل خاص على السماح للعسكريين ومزدوجي الجنسية بالترشح للانتخابات الرئاسية، وهو ما أثار اعتراضات من أطراف سياسية مختلفة.
كما نشبت خلافات بشأن ما إذا كان ينبغي إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بصورة متزامنة، إضافة إلى الجدل حول مصير الانتخابات البرلمانية إذا تعثرت عملية انتخاب الرئيس.
وأدت هذه الخلافات مجتمعة إلى تعطيل المسار الانتخابي واستمرار حالة الانقسام السياسي.
إعادة تشكيل مفوضية الانتخابات
من الملفات الرئيسية التي يعالجها الاتفاق الجديد إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات.
وكانت مسألة تشكيل المفوضية موضع خلاف بين القوى السياسية في شرق ليبيا وغربها، وسط مطالب باختيار شخصيات توافقية تحظى بقبول وتمثيل واسع بين مختلف الأطراف.
وتكتسب المفوضية أهمية خاصة لأنها الجهة المسؤولة عن إدارة العملية الانتخابية، ولذلك يعد الاتفاق على تشكيلها خطوة أساسية قبل الانتقال إلى مرحلة تنظيم الانتخابات الرئاسية والتشريعية.
خارطة طريق أممية لإنهاء الأزمة الليبية
سبق أن أعلنت المبعوثة الأممية هانا تيته في عام 2025 خارطة طريق سياسية لمعالجة الأزمة الليبية، ترتكز على ثلاثة ملفات رئيسية.
ويتمثل الملف الأول في الوصول إلى إطار انتخابي متكامل ومتوافق عليه يسمح بتنظيم الانتخابات الرئاسية والتشريعية.
أما الملف الثاني فيركز على معالجة الانقسام بين المؤسسات التنفيذية والوصول إلى حكومة أو سلطة تنفيذية موحدة، بينما يتعلق الملف الثالث بإطلاق حوار يضم قوى سياسية ووطنية ليبية مختلفة.
ويتقاطع الاتفاق الجديد بدرجة كبيرة مع هذه الأهداف، إذ يجمع بين إصلاح الإطار القانوني للانتخابات وتوحيد المؤسسات وإيجاد آلية لمتابعة التنفيذ.
ليبيا وأزمة سياسية مستمرة منذ 2011
تعيش ليبيا حالة من الاضطراب السياسي والأمني منذ أحداث عام 2011 التي أنهت حكم معمر القذافي، قبل أن تدخل البلاد في مرحلة طويلة من الصراعات السياسية والعسكرية.
وفي عام 2014، تعمق الانقسام بين معسكرات متنافسة في شرق ليبيا وغربها، وتطورت المواجهات إلى صراع مسلح امتد لسنوات.
وشكل اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه عام 2020 محطة مهمة في خفض مستوى المواجهات العسكرية، لكنه لم ينجح في إنهاء الخلافات السياسية والمؤسسية.
وعلى الرغم من إعلان مختلف القوى الليبية مراراً دعمها لإجراء الانتخابات، ظل جزء من الشارع الليبي يشكك في استعداد النخب السياسية للتخلي عن مواقعها والاحتكام فعلياً إلى صناديق الاقتراع.
هل ينهي الاتفاق انقسام شرق ليبيا وغربها؟
يمثل الاتفاق الجديد خطوة مهمة، لكن الطريق نحو الانتخابات لا يزال مرتبطاً بتنفيذ مجموعة من الالتزامات السياسية والقانونية المعقدة.
فالموافقة على القوانين الانتخابية وإعادة تشكيل مفوضية الانتخابات وتوحيد السلطة التنفيذية وحسم شروط الترشح جميعها ملفات يمكن أن تحدد نجاح المسار أو عودته إلى حالة الجمود.
كما أن تحديد فترة تصل إلى 24 شهراً لإجراء الانتخابات يمنح الأطراف مساحة زمنية لمعالجة الخلافات، لكنه في الوقت نفسه يثير تساؤلات حول إمكانية الالتزام بالجدول الزمني ومنع ظهور أزمات جديدة خلال المرحلة الانتقالية.
هل تقترب ليبيا أخيراً من الانتخابات؟
بعد سنوات من الانقسام وتعثر الاستحقاقات السياسية، يعيد الاتفاق الجديد ملف الانتخابات الليبية إلى واجهة المشهد.
ويمنح ترحيب عبد الحميد الدبيبة وخليفة حفتر بالاتفاق، إلى جانب مشاركة مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة ودعم بعثة الأمم المتحدة، المسار الجديد زخماً سياسياً مهماً.
لكن التجارب السابقة تظهر أن الإعلان عن التوافقات في ليبيا لا يعني بالضرورة نجاحها في الوصول إلى مرحلة التنفيذ.
وسيكون الاختبار الحقيقي خلال الفترة المقبلة هو قدرة الأطراف على تحويل الاتفاق من وثيقة سياسية إلى إجراءات فعلية، تبدأ بحسم القوانين الانتخابية وإعادة تشكيل مفوضية الانتخابات وتوحيد المؤسسات، وتنتهي بوصول الليبيين إلى صناديق الاقتراع.
وبين تفاؤل بإمكانية إنهاء سنوات من الجمود ومخاوف من عودة الخلافات القديمة، تدخل ليبيا مرحلة سياسية جديدة قد تحدد ما إذا كانت الانتخابات المنتظرة ستصبح هذه المرة واقعاً أم موعداً جديداً يضاف إلى سلسلة الاستحقاقات المؤجلة.
