
لم يعد تليف الكبد مشكلة صحية مرتبطة بكبار السن فقط، إذ تكشف دراسة حديثة أن بعض المصابين بمرض الكبد الدهني المرتبط بخلل الأيض قد يصلون إلى مراحل متقدمة من التليف قبل سن الخمسين.
وتشير النتائج إلى أن الإصابة المبكرة قد ترتبط بتداخل عدة عوامل، أبرزها الاستعداد الوراثي والسكري من النوع الثاني واضطرابات التمثيل الغذائي، ما قد يساعد العلماء على فهم سبب تطور مرض الكبد لدى بعض الأشخاص بصورة أسرع من غيرهم.
ووجد الباحثون أن نحو 25% من حالات تليف الكبد المرتبطة بمرض الكبد الدهني الناتج عن الخلل الأيضي حدثت لدى أشخاص دون سن الخمسين، وهي نتيجة تلفت الانتباه إلى أهمية اكتشاف المرض لدى البالغين الأصغر سنًا وعدم الاعتماد على العمر وحده عند تقييم المخاطر.
ما أسباب تليف الكبد في سن مبكرة؟
ركزت الدراسة على محاولة تفسير سبب وصول بعض المصابين بمرض الكبد الدهني إلى تليف متقدم في الكبد في عمر أصغر من المعتاد.
وتشير النتائج إلى أن الأمر قد لا يرتبط بعامل واحد، بل بمزيج من الاستعداد الجيني والمشكلات الأيضية.
وكان السكري من النوع الثاني من أبرز العوامل التي ظهرت لدى المرضى الأصغر سنًا، إلى جانب قابلية وراثية قد تزيد خطر تطور المرض.
ويرى الباحثون أن الشباب الذين يصلون إلى مرحلة التليف بسبب الكبد الدهني قد لا يمثلون ببساطة حالات من المرض نفسه ظهرت في سن أصغر، بل قد تكون لديهم مجموعة مختلفة نسبيًا من عوامل الخطر التي تسرع تطور المرض.
ما مرض الكبد الدهني المرتبط بخلل الأيض؟
يحدث مرض الكبد الدهني المرتبط بخلل الأيض عندما تتراكم الدهون داخل الكبد في سياق وجود مشكلات أيضية مثل السمنة والسكري.
وكان هذا المرض يُعرف سابقًا باسم مرض الكبد الدهني غير الكحولي.
ولا يعني تراكم الدهون في الكبد بالضرورة الوصول إلى التليف، لكن المرض قد يتطور لدى بعض المصابين إلى التهاب وتندب تدريجي لأنسجة الكبد.
ومع استمرار الضرر والتندب يمكن أن يصل بعض المرضى إلى مراحل متقدمة من تليف الكبد.
دراسة شملت نحو 2400 مصاب بالكبد الدهني
اعتمد الباحثون على بيانات نحو 2400 شخص بالغ شُخص لديهم مرض الكبد الدهني بواسطة خزعات الكبد، وكانوا مشاركين في شبكة أميركية وطنية لأبحاث التهاب الكبد الدهني.
وقارن الباحثون الأشخاص الذين وصلوا إلى مرحلة التليف قبل بلوغ سن الخمسين بمرضى آخرين تطورت لديهم الحالة في أعمار أكبر.
وهدفت المقارنة إلى تحديد السمات التي يمكن أن تفسر سبب تقدم المرض بصورة أسرع لدى مجموعة من البالغين الأصغر سنًا.
ونُشرت الدراسة في دورية Clinical Gastroenterology and Hepatology، وركزت على تحديد الخصائص المرتبطة بالتطور المبكر للمرض.
السكري من النوع الثاني وتليف الكبد
برز السكري من النوع الثاني باعتباره أحد أهم العوامل الأيضية المرتبطة بالحالات التي تطور لديها تليف الكبد في سن أصغر.
وتشير النتائج إلى أن وجود السكري إلى جانب عوامل أخرى، ومن بينها الاستعداد الوراثي، قد يساعد في تحديد المرضى الذين يحتاجون إلى متابعة أكثر دقة.
لكن ذلك لا يعني أن كل شخص مصاب بالسكري سيصاب بتليف الكبد.
كما لا تثبت الدراسة أن السكري بمفرده هو المسؤول عن حدوث التليف المبكر، وإنما تشير إلى وجود نمط من عوامل الخطر الأيضية والوراثية لدى بعض المرضى الذين تطور لديهم المرض.
هل الجينات تزيد خطر تليف الكبد؟
وجد الباحثون أن العوامل الوراثية قد تمثل جزءًا آخر من الصورة.
فالمرضى الأصغر سنًا الذين وصلوا إلى مرحلة التليف أظهروا نمطًا يجمع بين القابلية الجينية والمشكلات الأيضية.
وبحسب الباحث المشارك في الدراسة روهيت لومبا، رئيس قسم أمراض الجهاز الهضمي والكبد بجامعة كاليفورنيا في سان دييجو، فإن المصابين بالتليف الناتج عن الكبد الدهني في سن صغيرة قد يمتلكون تركيبة من الاستعداد الجيني وعوامل الخطر الأيضية تسرع انتقال المرض إلى مراحل متقدمة.
وهذا التداخل بين الجينات والسكري والسمنة والعوامل الأيضية قد يكون أكثر أهمية من النظر إلى كل عامل بصورة منفصلة.
لماذا يُعد اكتشاف تليف الكبد مبكرًا مهمًا؟
تكمن إحدى مشكلات تليف الكبد في إمكانية تطوره على مدى سنوات دون ظهور أعراض واضحة.
وقد لا يكتشف المريض المشكلة إلا بعد وصول المرض إلى مرحلة أكثر تقدمًا أو ظهور مضاعفات.
ومن المضاعفات التي قد تصاحب المراحل المتقدمة احتباس السوائل والنزيف وتراجع وظائف الكبد.
كما يُعد التليف من عوامل الخطر المهمة للإصابة بـسرطان الخلايا الكبدية، وهو أكثر أنواع سرطان الكبد شيوعًا.
ولهذا قد يكون التعرف على المرضى الأكثر عرضة للتليف المبكر مهمًا لإجراء تقييمات أكثر دقة عندما تكون ضرورية طبيًا.
مشكلة اختبارات تليف الكبد لدى صغار السن
كشفت الدراسة عن مشكلة أخرى قد تؤثر في اكتشاف تليف الكبد لدى المرضى الأصغر سنًا.
فبعض أدوات الفحص المستخدمة لتقدير احتمالات وجود التليف تعتمد على عمر المريض كأحد العناصر المستخدمة في حساب درجة الخطورة.
وقد يؤدي ذلك إلى حصول بعض المرضى الأصغر سنًا على درجات منخفضة رغم وجود تليف متقدم بالفعل.
ووجد الباحثون أن ما يقرب من ثلث المشاركين المصابين بتليف مبكر حصلوا على نتائج في اختبارات الفحص المعتادة لم تصل إلى المستويات التي تدفع الأطباء عادة إلى طلب تقييمات إضافية.
وهذا يعني أن الاعتماد على أدوات الفحص التقليدية وحدها قد يؤدي إلى عدم اكتشاف بعض الحالات لدى الفئات الأصغر سنًا.
هل العمر قد يؤثر في دقة فحص تليف الكبد؟
أشار الباحث الرئيسي في الدراسة، فيرال أجميرا، اختصاصي أمراض الكبد بجامعة كاليفورنيا، إلى أن إدخال العمر ضمن أدوات الفحص الحالية قد يؤدي إلى إغفال نحو ثلث المرضى المصابين بالتليف المبكر.
وتطرح هذه النتيجة سؤالًا مهمًا حول مدى الحاجة مستقبلًا إلى تطوير طرق تقييم تأخذ عوامل أخرى في الاعتبار لدى المرضى الأصغر سنًا.
وقد تشمل هذه العوامل وجود السكري من النوع الثاني والسمنة والاستعداد الوراثي المرتبط بزيادة خطر المرض.
من قد يحتاج إلى تقييم أكثر دقة للكبد؟
بحسب نتائج الدراسة، قد يستفيد مستقبلًا بعض البالغين الأصغر سنًا الذين لديهم عوامل خطر معينة من تقييم أكثر استباقية لصحة الكبد.
ومن أبرز العوامل التي ناقشتها الدراسة:
- السكري من النوع الثاني
- السمنة
- وجود عوامل وراثية مرتبطة بزيادة خطر المرض
- الإصابة المثبتة بمرض الكبد الدهني المرتبط بخلل الأيض
وقد تتضمن الخطوات التالية، عندما يقرر الطبيب أنها ضرورية، استخدام فحوص أكثر تخصصًا لتحديد درجة التليف.
أما المرضى الذين يثبت لديهم وجود تليف، فقد يحتاج بعضهم إلى برامج متابعة لسرطان الكبد عندما تكون تلك المراقبة موصى بها طبيًا.
هل كل مصاب بالكبد الدهني معرض للتليف؟
لا.
ولا تعني نتائج الدراسة أن كل شخص صغير السن مصاب بالسمنة أو السكري سيصاب بتليف الكبد.
كما أنها لا تثبت أن الجينات أو السكري يسببان بمفردهما التليف المبكر.
فالدراسة شملت أشخاصًا ثبتت إصابتهم بمرض الكبد الدهني عن طريق خزعة الكبد، ولذلك لا يمكن تعميم نتائجها مباشرة على جميع الأشخاص.
ويحتاج الباحثون إلى إجراء دراسات إضافية تشمل مجموعات سكانية أوسع قبل معرفة ما إذا كان ينبغي تغيير إرشادات فحص تليف الكبد بناءً على هذه النتائج.
هل يمكن تحسين الكشف المبكر عن تليف الكبد؟
تفتح الدراسة الباب أمام إمكانية تطوير طرق أكثر دقة لتحديد الأشخاص المعرضين لخطر تطور مرض الكبد في سن مبكرة.
فبدلًا من الاعتماد على العمر أو أدوات الفحص التقليدية وحدها، يمكن أن تساعد دراسة مجموعة من العوامل الأيضية والوراثية في بناء صورة أكثر شمولًا عن مستوى الخطورة.
لكن الباحثين يؤكدون الحاجة إلى مزيد من الاختبارات قبل إدخال تغييرات واسعة على برامج الفحص.
والهدف هو التأكد من أن إضافة المؤشرات الجينية والأيضية ستساعد بالفعل على اكتشاف المزيد من الحالات المهمة، دون التسبب في إجراء أعداد كبيرة من الفحوص غير الضرورية.
أسئلة شائعة عن تليف الكبد والكبد الدهني
هل يمكن الإصابة بتليف الكبد قبل سن الخمسين؟
نعم. أظهرت الدراسة أن نحو ربع حالات التليف المرتبطة بمرض الكبد الدهني الناتج عن الخلل الأيضي في العينة المدروسة حدثت لدى أشخاص دون سن الخمسين.
هل السكري يسبب تليف الكبد؟
تشير الدراسة إلى ارتباط السكري من النوع الثاني بالتليف المبكر لدى بعض مرضى الكبد الدهني، لكنها لا تثبت أن السكري بمفرده يسبب التليف.
هل الكبد الدهني يتحول إلى تليف؟
يمكن أن يتطور مرض الكبد الدهني لدى بعض الأشخاص إلى التهاب وتندب تدريجي، وقد يصل في بعض الحالات إلى تليف الكبد، لكن هذا التطور لا يحدث لجميع المصابين.
هل يمكن أن يتطور تليف الكبد دون أعراض؟
قد يتطور التليف لسنوات دون أعراض واضحة، وهو ما يزيد أهمية تقييم عوامل الخطر والمتابعة الطبية المناسبة لدى الأشخاص المعرضين لمضاعفات الكبد.
ما علاقة الجينات بتليف الكبد؟
تشير الدراسة إلى أن الاستعداد الوراثي، عندما يتزامن مع عوامل أيضية مثل السكري من النوع الثاني، قد يرتبط بالتطور المبكر للتليف لدى بعض مرضى الكبد الدهني.
الخلاصة
تقدم الدراسة تفسيرًا محتملًا لسبب إصابة بعض البالغين بـتليف الكبد قبل سن الخمسين، إذ تشير النتائج إلى تداخل الاستعداد الوراثي مع عوامل أيضية، وعلى رأسها السكري من النوع الثاني.
كما تكشف النتائج عن تحدٍ مهم يتعلق بوسائل الكشف الحالية، إذ قد تؤدي بعض أدوات تقييم التليف التي تعتمد على العمر إلى عدم رصد عدد من الحالات المتقدمة لدى المرضى الأصغر سنًا.
ومع ذلك، لا تعني النتائج أن كل مصاب بالسكري أو السمنة أو الكبد الدهني سيصاب بالتليف، ولا تثبت أن عاملًا واحدًا يسبب المرض بصورة مباشرة.
وتبقى الحاجة قائمة إلى دراسات أوسع لتحديد ما إذا كان الجمع بين المؤشرات الوراثية والأيضية يمكن أن يحسن الكشف المبكر عن تليف الكبد، ويساعد الأطباء على تحديد المرضى الذين يحتاجون إلى تقييم ومتابعة أكثر دقة.
