
في واحدة من أبرز القضايا القانونية التي يمكن أن تُعيد تشكيل مشهد التكنولوجيا العالمي، بدأت يوم الاثنين 14 أبريل محاكمة عالية المخاطر في واشنطن بين لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية (FTC) وشركة ميتا بلاتفورمز Meta Platforms، الشركة الأم لمنصة فيسبوك. القضية تدور حول اتهام ميتا بتعزيز هيمنتها السوقية من خلال الاستحواذ على المنافسين الناشئين، إنستجرام وواتساب، في صفقات يُزعم أنها كانت جزءًا من استراتيجية “غير قانونية” لتثبيت أقدامها في السوق ومنع ظهور منافسين جدد.
الادعاءات الرئيسية للجنة التجارة الفيدرالية
وفقاً لمحامي لجنة التجارة الفيدرالية، دانيال ماثيسون، فإن الصفقات التي أبرمتها ميتا مع إنستجرام وواتساب لم تكن مجرد استثمارات استراتيجية، بل كانت جزءًا من خطة مدروسة لإزالة أي تهديد محتمل لسيادة فيسبوك في سوق التواصل الاجتماعي. قال ماثيسون: “الاستراتيجية غير القانونية التي اتبعتها ميتا أنشأت حواجز أمام دخول منافسين جدد إلى السوق لأكثر من عقد من الزمان، بهدف حماية هيمنتها”.
وأضاف المحامي: “ليس لدى المستهلكين بدائل معقولة يمكنهم اللجوء إليها”، مشيرًا إلى أن هذه الصفقات أدت إلى تقييد الخيارات المتاحة للمستخدمين، مما عزز سيطرة ميتا على سوق التواصل الاجتماعي.
الخلفية التاريخية
تُعتبر هذه القضية جزءًا من حملة أوسع بدأت خلال فترة ولاية الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، حيث تم تقديم الادعاءات لأول مرة ضد ميتا في عام 2020. تقول اللجنة إن ميتا فشلت في تكييف خدماتها مع الأجهزة المحمولة في ذلك الوقت، مما دفعها لشراء الشركات الناشئة بدلاً من التنافس معها بشكل عادل.
ماذا تريد لجنة التجارة الفيدرالية؟
تسعى اللجنة إلى إجبار ميتا على إعادة هيكلة أعمالها أو بيع أجزاء منها، بما في ذلك إنستجرام وواتساب. إذا نجحت اللجنة في تحقيق هذا الهدف، فقد تكون العواقب وخيمة على الشركة، خاصةً أن إنستجرام يُعتبر مصدرًا رئيسيًا لإيرادات الإعلانات. وفقًا لتقديرات شركة الأبحاث الإعلانية Emarketer، من المتوقع أن يحقق إنستجرام ما يقرب من 37.13 مليار دولار هذا العام، وهو ما يمثل أكثر من نصف إيرادات إعلانات ميتا في الولايات المتحدة.
دفاع ميتا: الواقع الحالي يختلف عن الماضي
ردًا على الاتهامات، قال محامي ميتا، مارك هانسن، إن لجنة التجارة الفيدرالية تتجاهل الحقائق الحديثة. وأوضح أن مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي اليوم يقضون وقتًا كبيرًا في مشاهدة مقاطع الفيديو القصيرة عبر منصات مثل إنستجرام وفيسبوك، والتي طورتها ميتا بناءً على نجاح منصة تيك توك.
قال هانسن: “هذه القضية ليست سوى مجموعة من نظريات لجنة التجارة الفيدرالية التي تخوض حربًا مع الواقع والقانون. الناس اليوم يشاركون المحتوى بشكل مختلف تمامًا عما كان عليه الحال قبل عقد من الزمن”.
التركيز على المنافسة الحالية
جادلت ميتا بأن السوق الحالي مليء بالمنافسين الكبار مثل تيك توك ويوتيوب وسناب شات وحتى آبل، مما يجعل فكرة وجود احتكار أمرًا غير منطقي. وأشارت الشركة إلى أن إغلاق تيك توك مؤقتًا في الولايات المتحدة في يناير الماضي أدى إلى زيادة حركة المرور على إنستجرام وفيسبوك، مما يعكس المنافسة المباشرة بين المنصات.
دور مارك زوكربيرج في القضية
من المتوقع أن يلعب مارك زوكربيرج دورًا محوريًا في المحاكمة، حيث سيواجه استجوابًا حول رسائل البريد الإلكتروني التي كشفت عن خططه للاستحواذ على إنستجرام وواتساب. في إحدى الرسائل، أعرب زوكربيرج عن قلقه بشأن نمو واتساب ليصبح شبكة اجتماعية منافسة، واقترح الاستحواذ على إنستجرام كوسيلة لتحييد التهديد.
على الرغم من ذلك، تقول ميتا إن هذه الرسائل لا تعكس الواقع الحالي، خاصةً في ظل المنافسة الشديدة التي تفرضها شركات مثل بايت دانس (مالك تيك توك) وجوجل وأبل.
العواقب المحتملة: كيف ستؤثر القضية على ميتا؟
خسارة إنستجرام: ضربة قاضية للإيرادات
إذا أجبرت المحكمة ميتا على بيع إنستجرام، فقد تكون هذه الخسارة كارثية على أرباح الشركة. كما ذكرنا سابقًا، إنستجرام يُعد المصدر الرئيسي لإيرادات الإعلانات، ويتفوق حتى على فيسبوك نفسه في هذا الجانب. وبالتالي، فإن خسارته ستؤدي إلى تقليص كبير في الإيرادات وتأثير مباشر على قدرة الشركة على الاستثمار في مجالات جديدة مثل الذكاء الاصطناعي.
تأثير واتساب: المستقبل في خطر؟
بالنسبة لواتساب، الذي يُعتبر أكبر تطبيق للشركة من حيث عدد المستخدمين اليوميين، فإن الأمر لا يتعلق فقط بالإيرادات الحالية ولكن أيضًا بالفرص المستقبلية. تعمل ميتا حاليًا على تطوير أدوات مثل روبوتات الدردشة وخدمات “رسائل الأعمال”، والتي يعتقد زوكربيرج أنها ستكون محرك النمو القادم للشركة.
القضية ضمن إطار أوسع: حملة مكافحة الاحتكار
القضية ضد ميتا ليست معزولة، بل هي جزء من حملة أوسع تستهدف شركات التكنولوجيا الكبرى مثل أبل وأمازون وجوجل. هذه الحملة بدأت خلال إدارة ترامب وتستمر حتى اليوم، حيث تحاول الجهات التنظيمية الأمريكية اتخاذ موقف أكثر صرامة ضد الشركات التي يُعتقد أنها تمارس احتكارًا في أسواقها.
التقارب مع ترامب
من الجدير بالذكر أن العديد من شركات التكنولوجيا الكبرى، بما في ذلك ميتا، بدأت في اتخاذ خطوات للتقارب مع الإدارة الجمهورية منذ الانتخابات الأخيرة. على سبيل المثال، قامت ميتا بالتراجع عن بعض سياسات الإشراف على المحتوى التي كانت تعتبرها الإدارة السابقة “رقابة”، وأطلقت مبادرات لدعم البيت الأبيض مباشرة.
الخلاصة: هل ستتمكن لجنة التجارة الفيدرالية من كسر هيمنة ميتا؟
القضية ضد ميتا تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الهيئات التنظيمية على كبح جماح شركات التكنولوجيا الكبرى. بينما تدافع ميتا بأن السوق الحالي مليء بالمنافسة وأن ممارساتها السابقة لم تعد ذات صلة، فإن لجنة التجارة الفيدرالية ترى في هذه الصفقات تهديدًا دائمًا للحرية الاقتصادية والتنافسية.
مع تزايد الضغوط التنظيمية والتغيرات في المشهد الرقمي، يبدو أن ميتا تواجه تحديًا وجوديًا قد يعيد تعريف استراتيجياتها المستقبلية. السؤال الآن هو: هل ستتمكن لجنة التجارة الفيدرالية من تحقيق العدالة للمستهلكين، أم أن ميتا ستحافظ على هيمنتها رغم كل التحديات؟

تعليق واحد
رائع