
تخيّل أنك تتصفح هاتفك ليلًا وتظهر أمامك إعلانات تحمل ألوانك المفضلة، وموسيقى تستمتع بها يوميًا، وكلمات تبدو وكأنك أنت من كتبها. هذا المشهد لم يعد خيالًا، بل أصبح واقعًا يقوده الذكاء الاصطناعي الذي يُعيد صياغة عالم الإعلانات بالكامل.
كيف تتغير الإعلانات بفضل الذكاء الاصطناعي؟
تعمل شركة الإعلانات البريطانية Chill بالشراكة مع شركة Spotlight AI على استخدام النماذج اللغوية الذكية لتحليل نشاط المستخدمين عبر الإنترنت، وفهم شخصياتهم وطباعهم بطريقة أعمق من مجرد بيانات عادية مثل العمر والجنس.
ثم تقوم الأنظمة الذكية بـ:
- محاكاة أسلوب المستخدم في الحديث
- اختيار الألوان والموسيقى المناسبة لذوقه
- تعديل نصوص الإعلانات بما يتوافق مع سلوكه واهتماماته
- تصنيف الأشخاص بين انطوائي/منفتح وذوي تفضيلات موسيقية أو بصرية محددة
النتيجة؟
ملايين الإعلانات الفريدة، كل منها صُمم خصيصًا لشخص واحد فقط.
العلامات التجارية التي تعتمد الأسلوب الجديد
تُطبّق هذه التقنية بالفعل في مجالات مثل:
- تجارة التجزئة
- الإلكترونيات
- السيارات
- التأمين
- الخدمات المصرفية
وذلك بهدف تحسين معدلات الاستهداف وجذب المتسوقين عبر الإنترنت.
من أين يحصل الذكاء الاصطناعي على بياناتك؟
الذكاء الاصطناعي يُحلل:
- منشوراتك على فيسبوك، إنستغرام والمنصات العامة
- سجل بحثك على الإنترنت
- إجاباتك وتفاعلاتك داخل شات جي بي تي
إضافة إلى بيانات يوفرها المعلنون مثل:
موقعك الجغرافي – هواياتك – نمط حياتك – حالتك الاجتماعية – تفضيلاتك الشرائية وتاريخ سفرك.
وهذا ما يجعل الجينز الذي شاهدته أمس “يطاردك” في كل مكان!
من الاستهداف الديموغرافي إلى الاستهداف النفسي
يقول كريس كاماتشو، الرئيس التنفيذي لشركة Chill:
“نحن ننتقل من بيانات سطحية إلى تحليل أعمق للحالة النفسية والعاطفية للمستخدمين.”
فالذكاء الاصطناعي لا يكتفي بمعرفة عمرك أو جنسك… بل يحاول معرفة ما إذا كنت:
📌 سعيدًا – محبطًا – غاضبًا – تمرّ بضغط نفسي أو حدث شخصي مهم
ليعرض إعلانًا يتناسب مع مشاعرك الحالية.
الدليل: دراسة أمريكية تكشف قوة الإقناع
وجد باحثون في جامعة نورث وسترن أن:
النصوص الإعلانية التي يكتبها الذكاء الاصطناعي وفقًا لشخصية المستخدم كانت:
- أكثر إقناعًا
- مقبولة لدى الجمهور حتى لو علموا أنها مدعومة بالذكاء الاصطناعي
لكن الباحث جيكوب تيني يؤكد:
“نحن لا زلنا في البداية… التخصيص سيصبح أساس التسويق الرقمي قريبًا.”
هل الإعلانات المخصصة أفضل؟ رأي الخبراء منقسم
🔸 الجانب المؤيد:
تقليل هدر الإنفاق الإعلاني، إذ تشير الإحصاءات إلى أن 15% من الإعلانات الرقمية لا تُشاهَد إطلاقًا.
🔹 الجانب الرافض:
الاعتماد المفرط على التخصيص يُنتج إعلانات:
- قادرة على إزعاج المستخدمين
- لا تبقى في الذاكرة
- تُثير مخاوف بشأن الخصوصية الرقمية
ويقول أليكس كالدر:
“الذكاء الاصطناعي قد ينفق مبالغ ضخمة لإعلان سيشاهده شخص واحد… وينساه فورًا.”
كما يطرح إيفان ماتو تساؤلات أخلاقية وتشريعية:
“هل نقبل أن يتم تحليل كل تفاصيلنا؟ وهل يجب على العلامات التجارية فعل ذلك أساسًا؟”
النقطة الأكثر حساسية: التلاعب والتأثير على القرارات
يعترف كاماتشو بأن هذه التقنية قد تُستخدم في اتجاهات خطيرة:
مثل التأثير على:
- آراء الأفراد
- قرارات التصويت
- الحملات الانتخابية
وهو ما يعتبره “مخيفًا للغاية” إذا تم استغلاله دون ضوابط.
خلاصة: بين الإبداع والتلاعب… إلى أين يتجه الإعلان الذكي؟
الإعلانات المدعومة بالذكاء الاصطناعي تمنح العلامات التجارية قدرة غير مسبوقة على التأثير، لكنها في المقابل تُثير:
❗ مخاوف أخلاقية
❗ قضايا الخصوصية
❗ إمكانية التلاعب النفسي
ويبقى السؤال المفتوح:
هل سنقبل مستقبلًا بأن تعرف الإعلانات عنا أكثر مما يعرفه أصدقاؤنا؟
أم أن القوانين ستوقف هذا التدفق العميق نحو حياتنا الرقمية؟
