
يُقدَّم كريستوفر كولومبوس في الكتب المدرسية حول العالم كبطل مغامر أبحر في المجهول لاكتشاف “العالم الجديد”، وغيّر مجرى التاريخ بجرأته.
لكن خلف صورة المكتشف التي مجّدها المؤرخون طويلاً، يكمن وجه آخر أكثر قتامة، مليء بالاستغلال والعنف والاستعباد، جعل الكثيرين يعيدون النظر في إرثه اليوم.
فمن هو كولومبوس حقاً؟ هل كان رحّالة شجاعًا يسعى للمعرفة والمجد؟ أم غازيًا قاد حقبة طويلة من الاستعمار والمآسي الإنسانية؟
البدايات: حلم الملاّح الذي رفضته الممالك الأوروبية
ولد كريستوفر كولومبوس عام 1451 في مدينة جنوة الإيطالية، لأسرة متواضعة الحال. بدأ حياته بحارًا وتاجرًا، ثم تملّكه حلم جريء: إيجاد طريق غربي عبر المحيط الأطلسي يصل إلى الهند والصين الغنيتين بالذهب والتوابل.
كانت أوروبا في ذلك الوقت تعتمد على طرق التجارة البرية عبر الشرق الأوسط، التي خضعت لسيطرة الإمبراطورية العثمانية، مما جعل البحث عن طريق بديل ضرورة اقتصادية كبرى.
على مدى عقد كامل، طرق كولومبوس أبواب ملوك أوروبا بحثاً عن تمويل حلمه.
فقد رفض ملك البرتغال يوحنا الثاني مشروعه عام 1484 بعد أن وصفه الخبراء بالمستحيل، ثم تجاهله ملك إنجلترا هنري السابع وملك فرنسا شارل الثامن، وأخيراً الملكان الإسبانيان فرديناند وإيزابيلا، اللذان غيّرا رأيهما لاحقًا ومنحاه الدعم عام 1492.
الاتفاق الملكي: بين الطموح والمكسب
نصّ العقد الذي وقّعه كولومبوس مع التاج الإسباني على منحه لقب “الأدميرال البحري” و“الحاكم العام” لكل أرض يكتشفها، إضافة إلى عُشر الثروات التي يعثر عليها من ذهب وفضة وأحجار كريمة.
كان الاتفاق أشبه بصفقة تجارية أكثر من كونه مغامرة علمية، ما يُظهر أن الدافع الاقتصادي كان محركًا أساسياً وراء رحلات كولومبوس، إلى جانب سعيه للمجد الشخصي.
الرحلة الأولى: الطريق إلى “العالم الجديد”
في 3 أغسطس/آب 1492، أبحر كولومبوس من ميناء بالوس الإسباني بثلاث سفن صغيرة: سانتا ماريا، نينيا، وبينتا.
وفي 12 أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه، رصد اليابسة ووصل إلى إحدى جزر البهاما، التي سماها “سان سالفادور”، معتقدًا أنه وصل إلى جزر آسيا الشرقية.
تابع رحلته ليكتشف كوبا (ظنّها بر الصين) وهيسبانيولا (هايتي وجمهورية الدومينيكان حاليًا)، حيث أنشأ أول مستوطنة أوروبية في القارة الجديدة تضم 39 رجلاً.
عاد إلى إسبانيا في مارس 1493 محاطًا بالشهرة والمجد، واستُقبل استقبال الأبطال في البلاط الإسباني، معتقدًا أنه فتح بوابة جديدة إلى ثروات آسيا.
الرحلات التالية: المجد الزائف والانحدار المظلم
قام كولومبوس بثلاث رحلات أخرى بين 1493 و1504، اكتشف خلالها العديد من جزر الكاريبي وسواحل أمريكا الجنوبية والوسطى. لكنه لم يدرك أبدًا أنه اكتشف قارة جديدة، بل كان يصرّ على أنه وصل إلى أطراف آسيا.
ورغم إنجازاته الجغرافية، سرعان ما تحوّل حلم “العالم الجديد” إلى كابوس للسكّان الأصليين، إذ حمل معه نظامًا استعماريًا قائمًا على العبودية والعنف.
الوجه المظلم: الاستعباد والعنف ضد السكان الأصليين
دوّن كولومبوس في مذكراته انطباعاته الأولى عن سكان الجزر الذين وصفهم بأنهم “طيّبون ومسالمون”. لكنه أضاف أيضًا:
“يمكن أن يصبحوا خدماً جيدين… وبمساعدة خمسين رجلاً يمكننا أن نستعبدهم ونجعلهم يفعلون ما نريد.”
عند عودته الثانية إلى هيسبانيولا، وجد مستعمرته الأولى مدمرة، فأسس أخرى جديدة بمساعدة شقيقيه بارتولوميو ودييغو كولومبوس. بدأ حينها نظام استعباد ممنهج للسكان الأصليين من شعب التيانو، حيث أُجبروا على العمل في مناجم الذهب ومزارع القطن تحت ظروف وحشية.
أرسل كولومبوس نحو 500 أسير من السكان الأصليين إلى إسبانيا كعبيد، ما أثار غضب الملكة إيزابيلا التي اعتبرت هؤلاء من رعايا التاج الإسباني ووبّخته على تصرفاته القاسية.
التمرّد والاعتقال: سقوط “الأدميرال البحري”
تفاقم الاستبداد والعنف في حكم كولومبوس وشقيقيه، حتى تمرد عليه المستوطنون الإسبان في هيسبانيولا. أرسلت الملكة إيزابيلا حاكمًا جديدًا للتحقيق، وفي عام 1500 أُلقي القبض على كولومبوس وأُعيد إلى إسبانيا مكبلاً بالأغلال.
ورغم تبرئته لاحقًا من معظم التهم، جُرّد من ألقابه ومكانته، ولم يُستعد أي من سلطاته السابقة.
وفي رحلته الرابعة والأخيرة عام 1502، وصل إلى سواحل أمريكا الوسطى حتى بنما، لكنه عاد خالي الوفاض، محطم الآمال، ليموت في إسبانيا عام 1506 دون أن يدرك أنه غيّر خريطة العالم إلى الأبد.
إرث الدم والجدل: من “مكتشف أمريكا” إلى رمز الاستعمار
لم تكن اكتشافات كولومبوس مجرد بداية لحقبة الاستكشافات الأوروبية، بل أيضًا نقطة انطلاق لقرون من الاستعمار والعبودية والإبادة.
فقد أدى وصول الأوروبيين إلى الأمريكتين إلى تدمير حضارات بأكملها، ومقتل ملايين السكان الأصليين بسبب العنف والأمراض التي حملها القادمون الجدد.
بحلول منتصف القرن السادس عشر، اختفى تقريبًا شعب التيانو من الكاريبي نتيجة القتل والعمل القسري وسوء المعاملة. ومع ذلك، ظلّ كولومبوس لقرون يُكرّم كبطل، قبل أن يبدأ العالم مؤخرًا بمراجعة إرثه الحقيقي.
يوم كولومبوس أم يوم السكان الأصليين؟
يُحتفل في 12 أكتوبر/تشرين الأول من كل عام بـ”يوم كولومبوس” في الولايات المتحدة وعدة بلدان أمريكية.
لكن هذا الاحتفال أصبح مثار جدل واسع، إذ يرى كثيرون أن كولومبوس لا يستحق التكريم، بل يُعدّ رمزًا لحقبة الاستعباد والاستعمار.
في السنوات الأخيرة، استبدلت عدة ولايات أمريكية الاسم بـ”يوم السكان الأصليين“، تكريمًا لضحايا الاستعمار الأوروبي.
وفي عام 2021، أصبح جو بايدن أول رئيس أمريكي يحتفل رسميًا بهذا اليوم الجديد.
كما شهدت المدن الأمريكية والأوروبية إزالة أو تشويه تماثيل كولومبوس خلال احتجاجات حركة Black Lives Matter، في إشارة إلى رفض تمجيد رموز الاضطهاد التاريخي.
ما بين الاكتشاف والدمار: إرث كولومبوس المعقّد
لا شك أن رحلات كولومبوس دشّنت مرحلة جديدة من التاريخ الإنساني، إذ فتحت الباب أمام تبادل واسع بين القارتين في النباتات والحيوانات والثقافات والأفكار.
لكنها أيضًا جلبت الأمراض والمآسي وأطلقت شرارة الاستعمار الأوروبي الذي امتد قرونًا وأثر بعمق على سكان الأمريكتين الأصليين.
لقد كان كولومبوس — عن قصد أو دون قصد — الشرارة الأولى لعصر جديد غيّر وجه العالم إلى الأبد.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل نحتفل بالمغامرة الجريئة؟ أم نحاسب على المأساة التي خلّفتها؟

تعليق واحد
موفق