
حذّرت دراستان علميتان حديثتان من أن تغير المناخ قد يدفع أعداداً هائلة من النباتات حول العالم نحو خطر الانقراض خلال العقود المقبلة، ليس فقط بسبب صعوبة انتقالها إلى مناطق جديدة، بل نتيجة اختفاء البيئات الطبيعية المناسبة لنموها مع استمرار الاحترار العالمي.
وأظهرت الدراستان، المنشورتان عبر الجمعية الأميركية لتقدم العلوم، أن أزمة التنوع الحيوي النباتي قد تكون أكثر خطورة وتعقيداً مما كان متوقعاً، خاصة مع تسارع تغيرات المناخ وارتفاع درجات الحرارة العالمية.
النباتات في مواجهة خطر الانقراض بسبب تغير المناخ
اعتمد الباحثون في الدراستين على نماذج حاسوبية واسعة النطاق لتحليل مستقبل عشرات الآلاف من الأنواع النباتية، بهدف سد فجوة كبيرة في المعرفة العلمية، إذ لا تزال غالبية النباتات خارج التقييمات الرسمية العالمية لخطر الانقراض.
ورغم أن النباتات تُعد أساس الحياة على الأرض، وتعتمد عليها الأنظمة البيئية والغذائية والمناخية، فإنها غالباً لا تحظى بالاهتمام نفسه الذي تحظى به الحيوانات في قضايا التنوع الحيوي والانقراض.
ويؤكد العلماء أن أي تراجع كبير في التنوع النباتي سينعكس مباشرة على الحشرات والطيور والثدييات وحتى البشر، بسبب الترابط الوثيق بين جميع عناصر النظام البيئي.
أكثر من 40% من النباتات مهددة بالاختفاء
تشير التقديرات الحالية إلى أن أكثر من نوعين من كل خمسة أنواع نباتية قد تكون مهددة بالانقراض، في حين أن نحو 20% فقط من النباتات خضعت حتى الآن لتقييمات “القائمة الحمراء” التابعة لـالاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، وهي المرجع العالمي الرئيسي لتحديد الأنواع المهددة.
ودفع هذا النقص في البيانات العلماء إلى تطوير نماذج تنبؤية جديدة تعتمد على الذكاء الحسابي والبيانات التطورية والمناخية، من أجل توقع مستقبل النباتات حتى في غياب الدراسات الميدانية الكاملة.
دراسة تكشف تهديد التاريخ التطوري للنباتات
في الدراسة الأولى، استخدم الباحثون أحدث بيانات مؤشر “إيدج” التطوري، إلى جانب نماذج حاسوبية متقدمة، لإعادة بناء شجرة تطورية شملت نحو 335 ألفاً و497 نوعاً من النباتات المزهرة المعروفة حول العالم.
ولم يقتصر التحليل على عدد الأنواع المهددة فقط، بل ركز أيضاً على القيمة التطورية لكل نوع نباتي، إذ إن بعض النباتات تمثل فروعاً فريدة ونادرة في شجرة الحياة، واختفاؤها يعني ضياع تاريخ تطوري كامل لا يمكن استعادته.
وأظهرت النتائج أن نحو 21% من التاريخ التطوري للنباتات المزهرة أصبح معرضاً لخطر الانقراض، فيما حدد الباحثون 9 آلاف و945 نوعاً اعتبروها أولوية قصوى للحماية من أجل الحفاظ على الإرث التطوري للنباتات على كوكب الأرض.
ويرى العلماء أن هذه المقاربة الجديدة قد تساعد الحكومات والمنظمات البيئية على توجيه جهود الحماية نحو الأنواع ذات القيمة البيولوجية والتطورية الأكبر، بدلاً من الاعتماد فقط على أعداد الأنواع المهددة.
اختفاء الموائل يهدد النباتات حول العالم
أما الدراسة الثانية، فقد حللت التوزيع الجغرافي لـ67 ألفاً و664 نوعاً من النباتات الوعائية، بهدف فهم تأثير الاحترار العالمي على موائلها الطبيعية.
واعتمد الباحثون على مقارنة سرعة تغير الظروف البيئية مع قدرة النباتات على الانتقال جغرافياً لمواكبة المناخ المناسب، وكانت المفاجأة الكبرى أن السبب الرئيسي المتوقع لانقراض النباتات ليس عجزها عن الانتقال، بل اختفاء البيئات الملائمة لبقائها بسبب تغير المناخ.
ووفقاً لسيناريوهات انبعاثات الغازات الدفيئة حتى نهاية القرن الحالي، توقعت الدراسة أن ما بين 7% و16% من الأنواع النباتية التي جرى تحليلها قد تواجه خطراً مرتفعاً بالانقراض نتيجة فقدان معظم موائلها الطبيعية.
ارتفاع التنوع النباتي محلياً لا يعني تحسناً عالمياً
ورغم الصورة القاتمة، أشارت النماذج إلى أن انتقال النباتات إلى مناطق جديدة قد يؤدي إلى زيادة التنوع النباتي المحلي في بعض المناطق، حيث توقعت الدراسات ارتفاع التنوع النباتي في نحو 28% من مساحة اليابسة على الأرض نتيجة انتقال الأنواع بين البيئات المختلفة.
لكن الباحثين شددوا على أن هذه الزيادة المحلية لا تعني تحسناً على المستوى العالمي، إذ سيستمر العالم في فقدان أنواع نباتية بصورة دائمة، حتى وإن أصبحت بعض المناطق أكثر تنوعاً بشكل مؤقت.
أزمة التنوع الحيوي أكثر تعقيداً مما كان متوقعاً
وأكدت الدراستان أن انقراض النباتات لا يحدث بصورة عشوائية، بل يتبع أنماطاً جغرافية وتطورية واضحة، وهو ما يجعل النماذج التنبؤية أداة حاسمة لاتخاذ قرارات سريعة في ظل تسارع تغير المناخ.
كما سلط الباحثون الضوء على الفجوة الكبيرة في فهم مصير النباتات مقارنة بالحيوانات، رغم أن النباتات تشكل الأساس الذي تقوم عليه الأنظمة البيئية والغذاء ودورات المياه والمناخ.
وكشفت النتائج أن أزمة التنوع الحيوي المرتبطة بالمناخ قد تكون أعمق بكثير من مجرد اختفاء أنواع منفردة، لأنها تمتد إلى فقدان فروع كاملة من التاريخ التطوري للحياة النباتية على الأرض.
خاتمة
توضح الدراسات الحديثة أن تغير المناخ لا يهدد النباتات فقط، بل يهدد استقرار الأنظمة البيئية العالمية بأكملها. ومع تزايد اختفاء الموائل الطبيعية وارتفاع معدلات الانقراض، تبدو الحاجة ملحّة لاعتماد استراتيجيات حماية أكثر دقة وفاعلية، تراعي القيمة التطورية للنباتات وتأثير المناخ على مستقبل التنوع الحيوي العالمي.
