
في ظل تصاعد الجدل حول سياسات الهجرة الأميركية، تكشف تقارير حديثة عن ممارسات وصفت بـ”القاسية والعشوائية”، تضمنت ترحيل مهاجرين مدانين إلى دول ثالثة نائية، بعدما رفضت بلدانهم الأصلية استقبالهم. وتسلط هذه القضية الضوء على نهج إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب في التعامل مع ملف المهاجرين، وخاصة “الخطيرين” منهم، كما تصفهم وزارة الأمن الداخلي الأميركية.
تكثيف عمليات الترحيل: من السجون الأميركية إلى دول إفريقية
مع تصاعد الخطاب المناهض للهجرة في إدارة ترامب، شرعت الحكومة الأميركية في تكثيف ترحيل المهاجرين المدانين إلى دول لا تجمعهم بها أي روابط واضحة، مثل جنوب السودان وإسواتيني (سوازيلاند سابقًا). وتبرر الإدارة هذا التوجه بالقول إن بعض هؤلاء “وحشيون للغاية” إلى درجة أن بلدانهم الأصلية ترفض إعادتهم.
وتشير مراجعة حديثة إلى أن خمسة أشخاص على الأقل ممن هُددوا بالترحيل إلى ليبيا، قد أُعيدوا بالفعل إلى بلدانهم الأصلية خلال أسابيع قليلة. وهو ما يثير تساؤلات حول مدى جدية المحاولات الأميركية لإعادتهم إلى دولهم قبل اختيار بدائل “بعيدة وغريبة”.
ضغوط سياسية وتهديدات بالترحيل إلى ليبيا وجنوب السودان
تشير وثائق وتحقيقات إلى أن ترحيل المهاجرين إلى دول مثل ليبيا، حيث الوضع الأمني هش للغاية، تم دون تقديم ضمانات دبلوماسية بشأن سلامتهم. بل إن بعضهم أُجبر على توقيع أوراق الترحيل تحت التهديد، في وقت كانوا يطلبون فيه العودة إلى بلدانهم الأصلية مثل لاوس أو فيتنام.
وبحسب مصادر حقوقية، فإن إدارة ترامب استخدمت خيار الترحيل إلى دول ثالثة كورقة ضغط لدفع المهاجرين إلى “الترحيل الذاتي”، تفاديًا لمصير مجهول في بلدان لم يعيشوا فيها قط.
تصريحات رسمية: “هؤلاء الأسوأ على الإطلاق”
وفي تصريح مثير للجدل، قالت أبيجيل جاكسون، المتحدثة باسم البيت الأبيض حينها، إن المهاجرين المرحلين إلى جنوب السودان وإسواتيني هم “الأسوأ على الإطلاق”، وتورط بعضهم في جرائم قتل واعتداءات جنسية على أطفال. وأشارت إلى أن المجتمع الأميركي “أصبح أكثر أمانًا برحيلهم”.
من جهتها، أضافت تريشيا ماكلوفلين، المتحدثة باسم وزارة الأمن الداخلي:
“إذا أتى أحد إلى بلادنا بشكل غير قانوني وخالف قوانيننا، فقد ينتهي به المطاف في سجن سيكوت أو في غوانتانامو أو جنوب السودان”.
ترحيلات بلا ضمانات ولا محامين
تشير تقارير “رويترز” إلى أن بعض المرحلين وُضعوا في زنازين انفرادية فور وصولهم إلى إسواتيني، بموجب اتفاقات غير معلنة مع الإدارة الأميركية. وفي حالة فنزويليين رُحلوا إلى السلفادور، احتُجزوا دون السماح لهم بالتواصل مع محامين حتى إطلاق سراحهم في صفقة تبادل سجناء.
وفي سياق متصل، أظهرت بيانات حكومية مكسيكية ترحيل أكثر من 5700 مهاجر غير مكسيكي إلى المكسيك، استمرارًا لسياسة تعود إلى إدارة الرئيس الأسبق جو بايدن، رغم اختلاف النهج المعلن.
انتقادات حقوقية واتهامات باستخدام البشر “كبيادق”
منظمات حقوقية عديدة وصفت هذه السياسات بأنها “عشوائية، لا إنسانية، ومخالفة للقانون الدولي”. وقالت ميشيل ميتلشتات، من معهد سياسة الهجرة:
“الرسالة التي توجهها هذه السياسات واضحة: إما أن ترحل طوعًا، أو ستجد نفسك في دولة لا تربطك بها أي صلة”.
ووصفت ترينا ريلموتو، من التحالف الوطني للتقاضي بشأن الهجرة، تهديد مهاجر من لاوس بالترحيل إلى ليبيا بأنه دليل على أن الحكومة لم تحاول حتى إعادته إلى بلده الأصلي.
وفي شهادة مؤثرة من أحد المرحلين إلى لاوس، الذي كان قد جاء إلى الولايات المتحدة كلاجئ في طفولته، قال:
“لقد استخدمونا كبيادق. لماذا تُرغمني أميركا على الذهاب إلى ليبيا بينما أريد العودة إلى وطني؟”.
المحكمة العليا تسمح بالترحيل إلى دول ثالثة دون ضمانات
وفي يونيو، سمحت المحكمة العليا الأميركية لإدارة ترامب بالمضي قدمًا في هذه السياسة دون إلزامها بتقديم ضمانات لسلامة المرحلين، ما أثار موجة من الجدل القانوني لا تزال فصولها مستمرة في المحاكم الفيدرالية، خصوصًا في ولاية ماساتشوستس.
ويرى قانونيون أن هذه السياسة قد تُعرض حياة المرحلين للخطر، خاصة في دول تعاني من صراعات داخلية أو أنظمة قضائية ضعيفة، وهو ما يتعارض مع الالتزامات الحقوقية والدولية للولايات المتحدة.
خاتمة: معركة مستمرة حول حقوق المهاجرين
سياسات الترحيل إلى دول ثالثة في عهد ترامب تعكس نهجًا متشدّدًا، يثير مخاوف كبيرة لدى منظمات حقوق الإنسان ومحامي الهجرة. وبينما تُبرر الإدارة هذه الإجراءات بأنها ضرورية لحماية المجتمع الأميركي، يرى المنتقدون أن العديد منها يفتقر إلى العدالة والشفافية، ويعرض حياة آلاف الأشخاص إلى الخطر في دول لم يسبق أن عرفوها.
في نهاية المطاف، يبقى السؤال: إلى أي مدى يمكن لسياسات الهجرة أن توازن بين الأمن القومي وحقوق الإنسان؟

تعليق واحد
رائع