
كشفت دراسة جينية حديثة عن أسرار جديدة تتعلق بـ”أسد الكهوف”، أحد أكبر وأقوى السنوريات التي عاشت على كوكب الأرض، والذي سيطر على مساحات شاسعة امتدت من أوروبا الغربية مروراً بسيبيريا وحتى أمريكا الشمالية قبل أن يختفي نهائياً مع نهاية العصر الجليدي.
واعتمدت الدراسة، المنشورة في مجلة Cell العلمية، على تحليل الحمض النووي لـ12 عينة من أسود الكهوف عاشت قبل ما بين 17 ألفاً و148 ألف عام، ومقارنتها بالجينات الخاصة بـ20 أسداً حديثاً، ما أتاح للباحثين فهماً أعمق لتاريخ هذا المفترس العملاق وعلاقته بالأسود المعاصرة.
أسد الكهوف.. سلالة مستقلة وليست مجرد أسد قديم
توصل الباحثون إلى أن أسد الكهوف، المعروف علمياً باسم “بانثيرا سبيلايا”، لم يكن مجرد نسخة أكبر من الأسد الحديث، بل كان يمثل سلالة تطورية مستقلة تماماً.
وأوضح عالم الوراثة التطورية لوف دالين، المعد الرئيسي للدراسة، أن نتائج التحليل الجيني أكدت أن أسود الكهوف والأسود الحديثة انفصلت تطورياً قبل نحو 1.7 مليون سنة خلال العصر البليستوسيني، ما منح كل نوع خصائص وراثية فريدة ساعدته على التكيف مع بيئته الخاصة.
أكبر وأقوى من الأسود الحالية
تميز أسد الكهوف بحجم يفوق حجم الأسود الحديثة بشكل ملحوظ، إذ كان يمتلك جسماً أكثر قوة وعضلات أشد صلابة، ما جعله من أخطر الحيوانات المفترسة في العصر الجليدي.
وعلى عكس الأسود الإفريقية الحالية التي تعيش في المناطق الدافئة، كان أسد الكهوف يفضل البيئات الباردة المفتوحة، مثل سهول التندرا والمراعي الواسعة التي غطت أجزاء كبيرة من شمال أوراسيا وأمريكا الشمالية خلال العصور الجليدية.
ويرى العلماء أن هذه البيئات كانت تشبه السافانا الإفريقية الحالية من حيث وفرة الفرائس، لكنها كانت أكثر برودة وقسوة بكثير.
ماذا كان يأكل أسد الكهوف؟
كان أسد الكهوف يتربع على قمة السلسلة الغذائية في بيئته، حيث اعتمد على صيد مجموعة متنوعة من الحيوانات الضخمة التي عاشت خلال العصر الجليدي، ومنها:
- الماموث الصوفي.
- وحيد القرن الصوفي.
- الرنة.
- الخيول البرية.
- البيسون.
- الظباء الكبيرة.
ويعتقد بعض الباحثين أن البشر الأوائل ربما كانوا ضمن فرائسه أحياناً، خاصة مع وجود دلائل أثرية ورسومات كهفية تشير إلى معرفة إنسان العصر الجليدي الوثيقة بهذا المفترس المخيف.
هل كان أسد الكهوف يهاجم البشر؟
رغم عدم وجود دليل مباشر يؤكد افتراس أسود الكهوف للبشر، فإن العلماء يرون أن هذا الاحتمال كان وارداً للغاية.
فبحسب الباحثين، عاش الإنسان وأسود الكهوف في المناطق نفسها خلال المراحل الأخيرة من العصر الجليدي، وكانت اللقاءات بينهما متكررة، كما تظهر الرسومات الصخرية القديمة دقة مذهلة في تصوير هذه الحيوانات، ما يعكس مدى أهميتها وخطورتها بالنسبة للإنسان القديم.
تزاوج نادر بين أسد الكهوف والأسود الحديثة
واحدة من أكثر النتائج إثارة في الدراسة هي اكتشاف أن أسود الكهوف والأسود الحديثة تزاوجت بشكل متقطع خلال فترات معينة من العصر الجليدي.
ويعتقد العلماء أن التغيرات المناخية الشديدة دفعت أسود الكهوف إلى التحرك جنوباً، ما أدى إلى تداخل مناطق انتشارها مع الأسود الحديثة في مناطق مثل الشرق الأوسط وإيران الحالية.
وأكدت التحاليل الجينية أن المناخ كان العامل الأساسي الذي سمح بحدوث هذا التداخل والتزاوج بين النوعين.
لماذا انقرض أسد الكهوف؟
تشير الدراسة إلى أن نهاية العصر الجليدي كانت بداية النهاية لأسود الكهوف، حيث تعرضت لضغوط هائلة نتيجة التغيرات المناخية السريعة التي غيرت بيئاتها الطبيعية وأدت إلى اختفاء العديد من فرائسها الرئيسية.
كما لعب انتشار البشر وزيادة نشاط الصيد دوراً إضافياً في تسريع انقراضها، شأنها شأن العديد من الحيوانات الضخمة الأخرى التي اختفت خلال تلك الفترة.
ويرى الباحثون أن انقراض أسد الكهوف يمثل جزءاً من موجة انقراض واسعة اجتاحت الحيوانات العملاقة في نهاية العصر البليستوسيني، وهي ظاهرة لا تزال بعض أسبابها غير مفهومة بالكامل حتى اليوم.
ماذا تعلمنا هذه الدراسة؟
تؤكد النتائج الجديدة أن أسد الكهوف كان أحد أنجح وأقوى الحيوانات المفترسة التي عرفها التاريخ الطبيعي، وأنه لم يكن مجرد سلف للأسود الحديثة، بل نوعاً مستقلاً امتلك خصائص جينية وسلوكية فريدة.
كما تساعد هذه الدراسة العلماء على فهم تأثير التغيرات المناخية والانقراضات الجماعية على الكائنات الكبرى، وهو أمر يكتسب أهمية متزايدة في ظل التحديات البيئية التي تواجه الحياة البرية في العصر الحديث.
