
مع مطلع كل شهر، كان المواطن صفوت عبد الحميد، الستيني، يتوجه إلى أحد البنوك الحكومية في مصر لاستلام معاشه والحصول على العائد الشهري من شهادات الادخار التي جمعها على مدى سنوات، لتغطية نفقات أسرته المعيشية، بما في ذلك زوجته وابنه الذي لا يزال يدرس في الجامعة. إلا أن الحياة اليومية لعبد الحميد تغيرت بعد خفض سعر الفائدة بأكثر من 5% مؤخرًا، ما أدى إلى تقليص العوائد الشهرية لشهاداته وخلق ضغط مالي إضافي على أسرته.
حالة عبد الحميد ليست فريدة؛ بل تعكس معاناة آلاف صغار المودعين في البنوك المصرية الذين تأثرت مدخراتهم بالتغيرات الاقتصادية والسياسات النقدية للبنك المركزي المصري.
أثر خفض الفائدة على المدخرين
يقول عبد الحميد، المقيم في حي الهرم بمحافظة الجيزة، إن مدخراته وصلت إلى نحو 500 ألف جنيه، موزعة بين شهادات ادخار استمرت ثلاث سنوات وأخرى ستنتهي العام المقبل. كان يحصل سابقًا على عائد شهري بين 8 و9 آلاف جنيه، إلى جانب معاش لا يتجاوز 6 آلاف جنيه، متوقعًا الآن انخفاض دخله الشهري بما يقارب 2000 جنيه.
البنك المركزي المصري خفّض نهاية الشهر الماضي أسعار الفائدة للمرة الثالثة منذ بداية 2025، بواقع 200 نقطة أساس، ليصل سعر عائد الإيداع والإقراض لليلة واحدة وسعر العملية الرئيسية إلى 22% و23% و22.5% على التوالي، بعد تخفيضات سابقة في أبريل ومايو.
أمثلة حية لمعاناة المدخرين
ليس عبد الحميد وحده من يشعر بالضغط؛ فالأرملة فتحية سعيد، خمسينية، تعتمد على مدخرات قدرها 700 ألف جنيه لتغطية نفقات تعليم أبنائها الثلاثة. قالت فتحية إنها تفكر في كيفية تعويض فقدان نحو 3000 جنيه شهريًا نتيجة انخفاض الفائدة، وأضافت أنها لا تمتلك خبرة كافية لاستثمار المبلغ بأمان، رغم تلقيها عروضًا من جيرانها لمشاريع تجارية بعائد ثابت، لكنها تخشى فقدان أموالها.
البنوك الكبرى، مثل الأهلي ومصر، خفضت العائد على شهادة القمة الثلاثية ذات العائد الشهري الثابت بمقدار 1.5%، لتصبح 17% سنويًا بدلًا من 18.5%، ما يعكس السياسة العامة للبنك المركزي التي تهدف إلى تحفيز الاقتصاد وتشجيع الاستثمار على حساب المدخرين التقليديين.
ضغوط اقتصادية واجتماعية على صغار المودعين
أكد أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة الفيوم، عبد الحميد زيد، أن صغار المودعين هم الأكثر تضررًا من السياسات النقدية، خاصة بعد تعويم الجنيه وفقدان نصف قيمة المدخرات السابقة. وأضاف أن توقعات انخفاض التضخم وصعود الجنيه قد يساعد على استقرار أسعار السلع والخدمات، لكنه لا يعوض بشكل كامل الخسائر الشهرية للمدخرين.
من جانبه، شدد رئيس البنك الأهلي المصري، محمد الأتربي، على أن خفض الفائدة يأتي لمصلحة الدولة والمستثمرين، مشيرًا إلى أن انخفاض التضخم سيؤدي إلى تحقيق عائد فعلي إيجابي رغم انخفاض الفائدة الاسمية.
تحديات مستقبلية وحلول مقترحة
رأى الخبير في الاقتصاد السياسي، كريم العمدة، أن العوائد البنكية الحالية لا تكفي لتلبية احتياجات صغار المودعين، داعيًا إلى إنشاء صناديق ادخار خاصة للأرامل وكبار السن، توفر عوائد شهرية مجزية، بالإضافة إلى توجيههم نحو أسهم آمنة في البورصة تقلل المخاطر. وأضاف أن استمرار معدلات الفائدة المرتفعة قد يساهم في اقتصاد ريعي، بينما خفض الفائدة يمكن أن ينشط الطلب المحلي ويزيد استهلاك الأسر، متوقعًا انخفاض أسعار البيع للمستهلكين إلى 13% بنهاية العام المقبل.
الثقافة الادخارية المصرية بين الماضي والحاضر
يربط أستاذ تاريخ العصور الوسطى، عمرو منير، بين سلوك المصريين نحو الادخار وتاريخ تعاملهم مع النقود قبل تأسيس البنوك، حيث كان الادخار يتم “تحت البلاطة” لتجنب مصادرة الأموال. ومع تأسيس البنك الأهلي المصري بنهاية القرن التاسع عشر وبنك مصر لاحقًا، بدأت الثقافة الادخارية في التغيير تدريجيًا، مع تشجيع الحكومة المواطنين على حفظ أموالهم في البنوك وضمان عوائد مستقبلية.
الخلاصة
يعكس خفض الفائدة في مصر تحديًا حقيقيًا لصغار المودعين، خاصة كبار السن والأرامل والموظفين المحالين على المعاش، الذين يعتمدون على العوائد الشهرية لتغطية نفقاتهم. ومع استمرار السياسات النقدية الهادفة إلى تحفيز الاستثمار والاقتصاد الكلي، يبقى السؤال حول كيفية حماية هؤلاء المدخرين من التأثيرات السلبية، وإيجاد حلول مبتكرة تجمع بين الأمان المالي وتحقيق عوائد مناسبة.

تعليق واحد
رائع