
نجح باحثون في تطوير محرك ضوئي مبتكر يعمل بتقنية الليزر، قادر على نقل البيانات باستخدام الضوء الأبيض لمسافة تصل إلى 1.2 كيلومتر، في خطوة قد تمهد الطريق أمام شبكات الجيل السادس المستقبلية، التي يُتوقع أن تحدث تحولاً جذرياً في عالم الاتصالات الذكية.
وبحسب دراسة حديثة نشرتها دورية Matter، فإن التقنية الجديدة تعتمد على الاتصال بالضوء المرئي بدلاً من موجات الراديو التقليدية، ما يفتح الباب أمام تطوير أنظمة اتصالات أسرع وأكثر ذكاءً وكفاءة في المستقبل.
الجيل السادس.. شبكات “تفهم” البيئة المحيطة
تعمل شبكات الجيل الخامس الحالية على نقل البيانات بسرعات عالية، ما يدعم تطبيقات مثل البث فائق الجودة والألعاب السحابية والاتصال الفوري بين الأجهزة.
لكن شبكات الجيل السادس المنتظرة لا تستهدف السرعة فقط، بل تسعى إلى دمج الذكاء الاصطناعي مع أنظمة الاتصالات والاستشعار، بحيث تصبح الشبكات قادرة على “الرؤية” و”الاستماع” وتحليل البيئة المحيطة والتفاعل معها بذكاء.
ويتوقع الباحثون أن ترتبط هذه الشبكات مستقبلاً بالأقمار الصناعية منخفضة المدار، ما يسمح بتوفير تغطية فائقة السرعة في المناطق النائية مثل الصحارى والجبال والمحيطات.
تقنية الضوء المرئي تتفوق على الأنظمة التقليدية
تعتمد فكرة الاتصال بالضوء المرئي على استخدام الضوء لنقل المعلومات بدلاً من الترددات اللاسلكية، لكن الأنظمة الحالية المعتمدة على مصابيح LED تعاني من محدودية المسافة، إذ لا تتجاوز عادة بضعة أمتار.
أما التقنية الجديدة، فقد تمكنت من تحقيق نقل بيانات لمسافة 1.2 كيلومتر، وهو إنجاز وصفه الباحثون بأنه أداء قياسي يتجاوز قدرات الأنظمة التقليدية بشكل كبير.
وأوضح الباحث تشيجو شيا أن هذا التطور يقدم دليلاً عملياً على إمكانية استخدام الإضاءة الليزرية في شبكات الجيل السادس، بعدما ظل الأمر لسنوات مجرد تصورات مستقبلية.
مادة خزفية منخفضة التكلفة تدعم الأداء العالي
طور فريق البحث في جامعة جنوب الصين للتكنولوجيا المحرك الضوئي باستخدام مادة خزفية منخفضة التكلفة، جرى تصنيعها بطريقة أبسط مقارنة بالتقنيات التقليدية.
واعتمد الباحثون على دمج أيونات الكالسيوم مع مركبات كيميائية مستخدمة في صناعة الزجاج، ما ألغى الحاجة إلى معدات التصنيع عالية الضغط، وساهم في تقليل تكاليف الإنتاج.
وأكد الباحثون أن المادة الجديدة تمتلك قدرة أعلى على تبديد الحرارة مقارنة بالمواد السيليكونية التقليدية بنحو 20 مرة، ما يسمح بتحمل طاقة ليزر قوية ومستقرة لفترات أطول دون تلف سريع، وهي ميزة أساسية لنقل البيانات لمسافات بعيدة بكفاءة عالية.
تطبيقات مستقبلية واعدة
يرى العلماء أن هذه التقنية قد تُستخدم مستقبلاً في العديد من المجالات، من أبرزها:
- شبكات الاتصالات الذكية
- خدمات الطائرات المسيرة
- النقل الجوي منخفض الارتفاع
- المدن الذكية
- أنظمة الأقمار الصناعية المتقدمة
كما قد تسهم في تطوير بنية تحتية أكثر كفاءة لشبكات الجيل السادس، خصوصاً في البيئات التي تحتاج إلى نقل بيانات سريع ودقيق.
تحديات قبل الوصول إلى الاستخدام التجاري
ورغم النتائج الواعدة، لا تزال التقنية الجديدة في مراحلها البحثية، إذ تعمل بسرعات أقل مقارنة بالألياف الضوئية، التي تُعد حالياً الخيار الأكثر كفاءة لنقل البيانات لمسافات طويلة.
كما أشار الباحثون إلى أن الضوء الصادر من النظام يميل إلى اللون الأصفر ضمن الطيف بين 500 و650 نانومتر، مع نقص في المكونات الحمراء، ما قد يحد من استخدامه في التطبيقات التي تتطلب دقة عالية في إظهار الألوان.
ولهذا يسعى العلماء إلى تطوير مواد ضوئية أكثر تطوراً، قادرة على تحسين خصائص الإضاءة ورفع سرعة نقل البيانات مستقبلاً.
مستقبل الاتصالات الذكية يبدأ من الضوء
يخطط الباحثون أيضاً إلى دمج النظام الليزري مع تقنيات ترددات الراديو، لضمان استمرارية الاتصال في الظروف الجوية الصعبة مثل الضباب والأمطار، التي قد تؤثر على انتقال الضوء.
وتشير هذه التقنية إلى مستقبل جديد لشبكات الاتصالات، حيث لن يقتصر دورها على ربط الهواتف والأجهزة فقط، بل ستصبح جزءاً من منظومة ذكية تساعد المدن والطائرات المسيرة والمركبات والأقمار الصناعية على تبادل المعلومات بكفاءة وذكاء غير مسبوقين.
