
تتوسع منصة تيك توك بشكل متسارع في جمع البيانات من المستخدمين ومن مواقع الإنترنت المختلفة، لدرجة أن عدم استخدام التطبيق لا يعني بالضرورة حماية معلوماتك الشخصية. ومع إطلاق ميزات جديدة وأدوات تتبع متطورة، أصبح الجدل حول الخصوصية الرقمية أكثر حدة، خاصة مع تنامي المخاوف من حجم البيانات التي تجمعها شركات التكنولوجيا الكبرى.
إمبراطورية تتبع تتجاوز حدود التطبيق
من الطبيعي أن تقوم منصات التواصل الاجتماعي بمراقبة نشاط المستخدمين داخل التطبيق نفسه، لكن ما يثير القلق هو قدرة تيك توك على تتبع نشاط الأفراد خارج منصته أيضًا.
فحتى إذا لم تستخدم التطبيق مطلقًا، قد يتم جمع معلومات عنك من خلال مواقع إلكترونية أخرى تستخدم أدوات تتبع مرتبطة بالشركة. وخلال تحليل حديث، تم رصد مواقع ترسل بيانات حساسة إلى تيك توك، تشمل معلومات مرتبطة بتشخيصات السرطان، واختبارات الخصوبة، وحتى طلبات الاستشارة النفسية.
ويُعد ذلك جزءًا من منظومة تتبع رقمية أوسع تسعى من خلالها شركات التكنولوجيا إلى بناء صورة شاملة عن حياة المستخدمين الرقمية.
تحديثات جديدة تزيد من نطاق جمع البيانات
تستعد منصة تيك توك لتوسيع شبكة تتبع البيانات عبر مجموعة جديدة من الميزات والتحديثات التقنية.
وجاء هذا التطور بعد أسابيع من إتمام صفقة بيع عمليات تيك توك في الولايات المتحدة لمجموعة شركات مرتبطة بالرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، وهي خطوة أثارت مخاوف جديدة لدى خبراء الخصوصية وحقوق الإنسان بشأن كيفية التعامل مع بيانات المستخدمين.
ورغم ذلك، تؤكد الشركة أنها تعتمد سياسات واضحة وشفافة فيما يتعلق بكيفية الاستجابة لطلبات الحكومات للحصول على البيانات.
أداة “بكسل تيك توك” محور الجدل
يرتبط الجزء الأكبر من المخاوف المتعلقة بالخصوصية بأداة تسمى TikTok Pixel، وهي تقنية تستخدمها الشركات لمراقبة سلوك المستخدمين على الإنترنت.
وتقوم العديد من الشركات بوضع هذه الأداة على مواقعها الإلكترونية بهدف تحليل سلوك الزوار وتحسين الإعلانات المستهدفة. لكن تحليلًا أجرته شركة الأمن السيبراني Disconnect كشف أن النسخة المحدثة من هذه الأداة تجمع البيانات بطرق مختلفة وغير معتادة مقارنة بمنافسيها.
وقال باتريك جاكسون، كبير مسؤولي التكنولوجيا في الشركة:
“تحليل الشيفرة البرمجية للبكسل يظهر توسعًا كبيرًا في مشاركة البيانات، وهو ما قد يشكل انتهاكًا واضحًا للخصوصية”.
كيف تعمل وحدات البكسل التتبعية؟
ليست وحدات التتبع عبر “البكسل” تقنية جديدة، فقد استخدمتها شركات مثل جوجل وميتا لسنوات في شبكاتها الإعلانية.
وتعمل هذه التقنية عادة عبر صورة صغيرة جدًا غير مرئية يتم تحميلها في خلفية صفحات الويب، مما يسمح بجمع بيانات عن المستخدم مثل الصفحات التي يزورها أو الأزرار التي ينقر عليها.
على سبيل المثال، إذا كان أحد المتاجر الإلكترونية يبيع الأحذية، فإن استخدام بكسل تيك توك يسمح للشركة بمعرفة:
- من شاهد إعلان الأحذية
- من زار الموقع بعد مشاهدة الإعلان
- ومن قام بإتمام عملية الشراء
وهذا يساعد الشركات على تقييم فعالية الإعلانات وتوجيهها بشكل أدق للمستخدمين.
بيانات حساسة قد تصل إلى تيك توك
تكمن المشكلة في أن بعض المواقع قد ترسل بيانات حساسة للغاية عبر أدوات التتبع دون قصد.
فخلال تجربة تحليلية، تم رصد مواقع أرسلت معلومات مثل:
- بيانات مرتبطة بمرضى السرطان
- عمليات البحث عن اختبارات الخصوبة
- طلبات الاستشارة النفسية في حالات الأزمات
وحتى في حال عدم امتلاك المستخدم حسابًا على تيك توك، يمكن للموقع الذي يستخدم البكسل إرسال بياناته إلى المنصة.
من جهتها، تؤكد الشركة أن المواقع الإلكترونية هي المسؤولة عن الالتزام بقوانين الخصوصية وإبلاغ المستخدمين بكيفية استخدام بياناتهم.
انتشار واسع لأدوات التتبع على الإنترنت
وفقًا لشركة DuckDuckGo المتخصصة في الخصوصية الرقمية، توجد أدوات تتبع تابعة لتيك توك على نحو 5% من أهم مواقع الإنترنت في العالم.
لكن هذه النسبة لا تزال أقل بكثير من منافسيها:
- جوجل تمتلك أدوات تتبع على نحو 72% من المواقع الكبرى
- ميتا تمتلك أدوات على نحو 21% من المواقع
ويرى الخبراء أن هذه الاستراتيجية تشبه ما قامت به جوجل وميتا سابقًا، حيث بدأت بجمع بيانات محدودة قبل أن تتحول إلى منظومات ضخمة تراقب النشاط الرقمي للمستخدمين.
تحديث بكسل تيك توك يوسع المراقبة
شهدت أداة بكسل تيك توك تغييرات كبيرة في يناير 2026، بعد انتقال ملكية عمليات الشركة في الولايات المتحدة.
وفي السابق، كان البكسل يقتصر على تتبع تأثير الإعلانات داخل التطبيق نفسه. أما الآن، فقد أصبح قادرًا على متابعة المستخدم حتى بعد مغادرته التطبيق، ومعرفة ما إذا كان قد أتم عملية شراء في موقع آخر.
ويعتقد خبراء الإعلان الرقمي أن هذه الميزة قد تزيد من إقبال الشركات على الإعلان عبر تيك توك، مما يعني انتشار أدوات التتبع على نطاق أوسع.
كيف يمكنك حماية بياناتك؟
رغم صعوبة تجنب التتبع بشكل كامل، إلا أن هناك خطوات بسيطة يمكن أن تقلل من جمع بياناتك:
1. استخدام متصفح يركز على الخصوصية
ينصح خبراء الأمن باستخدام متصفحات مثل:
- DuckDuckGo
- Brave
- Firefox
- Safari
حيث توفر هذه المتصفحات أدوات مدمجة لحجب أدوات التتبع.
2. تثبيت إضافات حجب التتبع
يمكن استخدام إضافات مثل:
- Privacy Badger
- Ghostery
- uBlock Origin
- AdBlock Plus
والتي تساعد على منع أدوات التتبع من جمع البيانات أثناء تصفح الإنترنت.
3. تقليل استخدام نفس البيانات الشخصية
ينصح الخبراء بعدم استخدام نفس البريد الإلكتروني أو المعلومات الشخصية في مختلف الخدمات، لأن ذلك يسهل على الشركات تتبع النشاط الرقمي عبر منصات متعددة.
الخصوصية الرقمية تحتاج إلى قوانين أقوى
يرى خبراء الخصوصية أن المشكلة لا تقتصر على منصة واحدة فقط، بل ترتبط بمنظومة الإعلان الرقمي بأكملها.
فمع توسع شركات التكنولوجيا في جمع البيانات، تصبح الحاجة ملحة إلى قوانين أكثر صرامة لحماية خصوصية المستخدمين وضمان الشفافية في كيفية استخدام بياناتهم.
وفي النهاية، قد يكون الضغط الشعبي والتشريعات الحكومية هو العامل الحاسم في إعادة التوازن بين الابتكار التكنولوجي وحق الأفراد في حماية بياناتهم الشخصية.
