
في الساعات الأولى من صباح 28 فبراير، انضمت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى إسرائيل في تنفيذ موجة ضربات ضد إيران، في خطوة ترددت أصداؤها سريعاً في مختلف أنحاء الشرق الأوسط. وفي تلك الليلة نفسها، كان ترمب يعقد لقاءً في منتجعه مارالاجو بولاية فلوريدا مع عدد من كبار مسؤولي إدارته ومجموعة من أبرز المتبرعين السياسيين، حيث طرح سؤالاً سياسياً لافتاً: ماركو روبيو أم جيه دي فانس؟
وبحسب تقرير نشرته NBC News، فإن ترمب استطلع خلال اجتماع ضم نحو 25 من كبار المتبرعين الجمهوريين، من بينهم مالك فريق “نيو إنجلاند باتريوتس” روبرت كرافت والمرشح الملياردير لمنصب حاكم جورجيا ريك جاكسون، آراء الحضور بشأن الشخصية التي ينبغي أن يدعمها الحزب الجمهوري في انتخابات الرئاسة لعام 2028.
ووفقاً لاثنين من المشاركين في اللقاء، فقد حظي وزير الخارجية ماركو روبيو بتأييد واسع داخل القاعة، حيث بدت الهتافات لصالحه أكثر وضوحاً من تلك التي ذهبت إلى نائب الرئيس جيه دي فانس. وقال أحد الحاضرين، في حديثه للشبكة بشرط عدم الكشف عن هويته: “كان التأييد لماركو شبه جماعي”. فيما أكد مشارك آخر أن الأفضلية كانت واضحة، على الأقل في تلك الليلة.
لكن رواية أخرى من داخل القاعة أشارت إلى أن التفاعل لم يكن محسومًا تماماً، وأن ردود الفعل بدت “متقاربة إلى حد ما” بين روبيو وفانس، ما يعكس أن الاستطلاع الذي أجراه ترمب كان أقرب إلى اختبار مزاج سياسي داخلي لا إلى مؤشر نهائي على هوية المرشح المقبل.
ورغم ذلك، لا يعني هذا اللقاء المحدود في فلوريدا، الولاية التي ينتمي إليها روبيو، أن وزير الخارجية بات تلقائياً المرشح الأوفر حظاً داخل الحزب الجمهوري على حساب فانس في سباق 2028.
وقال مسؤول سابق في إدارة ترمب إن دائرة المتبرعين في مارالاجو لم تكن يوماً الأقرب إلى جيه دي فانس، مضيفاً أن هذه المجموعة كانت قد ضغطت سابقاً على ترمب من أجل اختيار روبيو لمنصب نائب الرئيس. وأشار إلى أن مثل هذه الاستطلاعات غير الرسمية قد تكون موجهة إلى حد ما، معتبراً أن فانس لا يزال، في حال إجراء قياس أوسع، متقدماً بفارق كبير.
ترمب ودور “صانع الملوك”
الواقعة ليست الأولى من نوعها، إذ اعتاد ترمب استطلاع آراء المقربين منه بشأن ملفات سياسية كبرى، لكن هذا المشهد يوضح مجدداً أنه يعتزم أداء دور محوري في تحديد هوية خليفته السياسي وحامل لواء الحزب الجمهوري في المستقبل.
ويبدو أن ترمب يستمتع بلعب دور “صانع الملوك” داخل الحزب، كما يفعل في عدد كبير من الانتخابات التمهيدية الجمهورية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بسباق قد يضع شخصيات بارزة من داخل إدارته في مواجهة مباشرة. كما تعكس هذه الديناميكية درجة السيولة العالية داخل الدائرة المحيطة بالرئيس، وسرعة تبدل أولوياته وتقييماته السياسية.
وفي تعليق رسمي، قال المتحدث باسم البيت الأبيض ستيفن تشيونج إن الرئيس شكّل “فريقاً من النجوم” حقق نجاحات غير مسبوقة خلال فترة وجيزة، مضيفاً أن التكهنات الإعلامية بشأن جيه دي فانس وماركو روبيو لن تصرف الإدارة عن مهمتها الأساسية.
فانس لا يزال الأوفر حظاً.. لكن روبيو يتقدم
خلال الأشهر الماضية، كان جيه دي فانس يُنظر إليه باعتباره المرشح الأبرز لتمثيل الجمهوريين في انتخابات 2028، وهو ما دعمته استطلاعات رأي عامة، إلى جانب تصريحات سابقة لترمب نفسه.
وأظهر استطلاع أجرته NBC News الأسبوع الماضي أن 77% من الناخبين الجمهوريين ينظرون بإيجابية إلى فانس، مقابل 66% فقط لروبيو. كما سبق لترمب أن قال في أغسطس 2025، في مقابلة مع Fox News، إن فانس هو الوريث “الأرجح” لحركة MAGA، وربما الأوفر حظاً في تلك المرحلة.
مع ذلك، لم يُسقط ترمب اسم روبيو من حساباته. ففي المقابلة نفسها، أشار إلى أن وزير الخارجية أيضاً يملك مؤهلات تؤهله للعب دور أساسي في مستقبل الحزب، بل ألمح إلى إمكانية تعاونه مستقبلاً مع فانس.
وفي مايو 2025، وصف ترمب روبيو في مقابلة مع NBC News بأنه “قائد جمهوري رائع”، ثم عاد الشهر الماضي ليتحدث عن الفروقات بين الرجلين، مشيراً إلى أن أحدهما “أكثر دبلوماسية قليلاً” في إشارة بدت واضحة إلى روبيو، مؤكداً في الوقت نفسه أن كليهما يتمتع بدرجة عالية من الذكاء.
روبيو يراكم النقاط داخل إدارة ترمب
خلال الأسابيع الأخيرة، بدا أن أسهم ماركو روبيو السياسية في ارتفاع واضح، خصوصاً مع تعاظم حضوره في ملفات السياسة الخارجية، بعد أن أصبح يشغل موقعاً مؤثراً بوصفه وزيراً للخارجية ومستشاراً للأمن القومي. ومع تصاعد تركيز الإدارة على ملفات مثل إيران وفنزويلا وربما كوبا، أصبح روبيو أكثر ظهوراً في المشهد من أي وقت مضى.
وفي مناسبة أقيمت في البيت الأبيض لتكريم نادي إنتر ميامي، خص ترمب روبيو بإشادة لافتة، قائلاً إنه قد يُسجَّل في التاريخ باعتباره أفضل وزير خارجية في تاريخ الولايات المتحدة، قبل أن يضيف مازحاً أنه لا يريد له أن يزداد شهرة أكثر من اللازم.
هذا الحضور المتزايد لروبيو في واجهة الأحداث تزامن، في المقابل، مع تراجع نسبي في ظهور جيه دي فانس، رغم استمرار موقعه الرسمي كنائب للرئيس.
ففي الوقت الذي كان فيه روبيو حاضراً في غرفة العمليات المؤقتة داخل مارالاجو عند بدء الضربات على إيران، كان فانس في واشنطن داخل غرفة العمليات في البيت الأبيض. ووفق متحدث باسمه، فإن غيابه عن مارالاجو جاء لأسباب أمنية ترتبط بعدم وجود الرئيس ونائبه في موقع واحد بعيداً عن البيت الأبيض أثناء العمليات الحساسة.
ورغم أن فانس كان أول مسؤول في الإدارة يدافع عن الحرب على شاشات التلفزيون الوطني، وشارك لاحقاً مع ترمب في مراسم استقبال رفات جنود أميركيين، فإن حضوره العلني في ملف الحرب بدا أقل بروزاً من حضور روبيو.
إيران.. نقطة قوة أم عبء سياسي؟
وضعت الحرب على إيران جيه دي فانس في موقع حساس سياسياً، فهو من قدامى المحاربين في العراق، وكان على مدى سنوات من الأصوات المتحفظة على انخراط الولايات المتحدة في نزاعات خارجية طويلة ومعقدة. وبحسب مصدر مطلع على طريقة تفكيره، فإن فانس كان أكثر تشدداً تجاه إيران وبرنامجها النووي، لكنه أبدى في الوقت نفسه تحفظات على خيار مهاجمة البلاد.
ومع اتضاح أن ترمب يتجه إلى العمل العسكري، فضّل فانس تنفيذ ضربة سريعة تحد من الخسائر وتمنع تسرب الخطط إلى الإعلام، خشية أن يؤدي التأخير إلى منح خصوم واشنطن فرصة لتوجيه ضربات استباقية ضد القوات الأميركية في الشرق الأوسط.
وكان فانس قد قال في مقابلة مع Fox News: “لا يمكن ببساطة أن يسمح دونالد ترمب بأن تنجر البلاد إلى حرب متعددة السنوات بلا نهاية واضحة ولا هدف واضح”.
لكن الملف الإيراني قد يكون أكثر تعقيداً بالنسبة إلى ماركو روبيو أيضاً. فالحرب، حتى الآن، لا تبدو ذات شعبية واسعة لدى قطاعات كبيرة من الناخبين الأميركيين، ما قد يحوّل بروز روبيو في هذا الملف إلى سلاح ذي حدين.
وأظهر استطلاع NBC News الأخير أن 54% من الناخبين لا يوافقون على طريقة تعامل ترمب مع إيران، مقابل 41% أيدوا هذا النهج، بينما قال 5% إنهم غير متأكدين أو لا يملكون رأياً واضحاً.
انقسام داخل الجمهوريين حول الحرب
على الرغم من أن شعار “أميركا أولاً” الذي يقوده ترمب عزز داخل الحزب الجمهوري تياراً أكثر تشككاً في التدخلات الخارجية، فإن القاعدة الجمهورية لم تظهر موقفاً موحداً تماماً تجاه الحرب.
فبحسب الاستطلاع ذاته، أيد 90% من الجمهوريين الذين يعرّفون أنفسهم بأنهم من أنصار MAGA توجيه ضربة لإيران، في حين عارضها 5% فقط. أما بين الجمهوريين غير المنتمين إلى هذا التيار، فقد أيّد 54% الضربات، مقابل 36% عارضوها.
هذا الانقسام يعني أن أي سياسي جمهوري يرتبط مباشرة بهذا الملف، سواء كان فانس أو روبيو، قد يربح داخلياً من زاوية، لكنه قد يخسر من زاوية أخرى إذا تحولت الحرب إلى عبء سياسي طويل المدى.
تعثر في رسائل روبيو
ورغم صعود نجم روبيو، فإن أداءه الإعلامي بشأن الحرب لم يخلُ من بعض الارتباك. فخلال حديثه مع الصحافيين في مبنى الكابيتول، قال إن الولايات المتحدة انضمت إلى إسرائيل في الهجوم لأنها كانت تعلم أن إسرائيل ستواصل الضربات على أي حال.
هذه التصريحات أثارت ردود فعل غاضبة حتى داخل بعض أوساط MAGA، إذ اعتبرها منتقدون إقراراً ضمنياً بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نجح في دفع ترمب إلى اتخاذ قرار الحرب. لكن الرئيس الأميركي نفى هذا التفسير لاحقاً، فيما عاد روبيو ليؤكد أن القرار النهائي كان قرار ترمب وحده.
وقال مسؤول سابق في إدارة ترمب إن هذا التوقيت قد يكون الأسوأ لبروز روبيو، لأن اقترانه بملف قد يُنظر إليه على أنه غير شعبي قد لا يصب في مصلحته إذا ما فكر جدياً في الترشح للرئاسة.
هل بدأ الزخم يميل إلى روبيو؟
أحد كبار جامعي التبرعات لترمب قال إن الوقت لا يزال مبكراً للغاية للحسم، لكنه أقر بأن السباق التمهيدي المحتمل يبدو حتى الآن وكأنه يدور بين رجلين فقط: ماركو روبيو وجيه دي فانس.
وأضاف أن روبيو لا يحتاج في هذه المرحلة إلا إلى مواصلة أداء مهامه بنجاح حتى يضع نفسه في موقع قوي لانتخابات 2028، مشيراً إلى أن ترمب يواصل منذ فترة إجراء استطلاعات غير رسمية داخل إدارته وبين شخصيات جمهورية مؤثرة لمعرفة اتجاهات المزاج السياسي.
وبحسب تقديره، فإن الزخم بدأ يميل أخيراً إلى صالح روبيو، قائلاً إن النسبة باتت “80 مقابل 20” لصالحه، مع الإقرار في الوقت نفسه بأن السؤال الحقيقي ليس فقط ما إذا كان روبيو يريد أن يصبح رئيساً، بل ما إذا كان مستعداً فعلاً لخوض المعركة.
علاقة ودية رغم المنافسة المحتملة
على الرغم من كل الأحاديث عن سباق مبكر بين الرجلين، فإن العلاقة الشخصية بين روبيو وفانس تبدو جيدة. وقد قلل الطرفان في أكثر من مناسبة من شأن التكهنات التي تتحدث عن فجوة سياسية بينهما.
ففي العام الماضي، قال فانس لـNBC News إنهما يتحدثان “خمس مرات يومياً على الأقل في الأيام الهادئة”، كما شوهد الاثنان يقضيان وقتاً طويلاً معاً خلال دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في إيطاليا.
وفي كل مرة تقريباً يُسأل فيها فانس عن ملف خارجي، يبادر إلى الإشارة إلى روبيو. ومؤخراً، قال للصحافيين: “أطلعني ماركو قبل 15 دقيقة”، في إشارة إلى حادثة أمنية مرتبطة بقارب مسجل في الولايات المتحدة اصطدم بدورية حدودية كوبية وأسفر عن مقتل أربعة أشخاص، بينهم أميركي.
من جانبه، عبّر روبيو في يوليو 2025 عن دعمه لاحتمال ترشح فانس للرئاسة، وقال إنه صديق مقرب، وإنه يأمل أن يقدم على هذه الخطوة في المستقبل، رغم أن الوقت لا يزال مبكراً.
ترمب يختبر الجميع.. ولا شيء محسوم بعد
يرى مستشارون مخضرمون للرئيس الأميركي أن هذا السلوك ليس جديداً على ترمب، فهو يحب بطبيعته استطلاع آراء من حوله بشأن القضايا السياسية الكبرى، ثم يستخدم تلك الانطباعات في بناء قراراته أو اختبار الخيارات المتاحة أمامه.
وبحسب ثلاثة أشخاص مطلعين على هذه النقاشات، فإن سؤال “فانس أم روبيو” طُرح بالفعل في أكثر من مناسبة خلال الفترة الأخيرة، لكن أياً من هذه الاختبارات لا يعني أن قراراً نهائياً قد نضج.
وقال أحد مستشاري ترمب القدامى إن الرئيس يفعل ذلك طوال الوقت، وغالباً لا يعني الأمر شيئاً حاسماً في تلك اللحظة. لكن ما لفت الانتباه في النقاشات الأخيرة هو أن تعليقات ترمب نفسها بدأت تميل أكثر نحو ماركو روبيو.
وقال أحد أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين إن ترمب بات يتحدث عن ماركو أكثر مما يتحدث عن جيه دي، مضيفاً أنه يبدو معجباً بكفاءة روبيو ما دام لا يتحداه، بينما يظهر فانس في نظر بعض المحيطين بالرئيس أقل استقراراً في حركته السياسية.
الخلاصة
تكشف كواليس مارالاجو أن معركة خلافة ترمب داخل الحزب الجمهوري ربما بدأت مبكراً أكثر مما كان متوقعاً. وبينما لا يزال جيه دي فانس يحتفظ بأفضلية في استطلاعات القاعدة الجمهورية، فإن ماركو روبيو يراكم حضوراً سياسياً ومؤسسياً واضحاً داخل إدارة ترمب، مستفيداً من صعود دوره في ملفات السياسة الخارجية.
ومع أن الطريق إلى انتخابات 2028 لا يزال طويلاً، فإن المؤشرات الأولية توضح أن ترمب لا يكتفي بمتابعة السباق من بعيد، بل يختبر بنفسه موازين القوى، ويبدو مستعداً للعب دور مباشر في تحديد من سيكون الوريث السياسي الأبرز داخل الحزب الجمهوري.
