
كشف تقرير صادر عن الكونغرس الأميركي، الأربعاء، عن استغلال الصين لشراكات بحثية علمية مع باحثين أميركيين يتلقون تمويلًا من وزارة الطاقة الأميركية، بهدف الوصول إلى تكنولوجيا نووية حساسة وابتكارات متقدمة ذات استخدامات اقتصادية وعسكرية، تصب في نهاية المطاف في مصلحة الجيش الصيني.
ويأتي هذا الكشف في وقت تشهد فيه العلاقات بين واشنطن وبكين تصعيدًا متسارعًا في التنافس التكنولوجي والعسكري، وسط مخاوف أميركية متزايدة من تحوّل الأبحاث الممولة من أموال دافعي الضرائب إلى أدوات تعزز القوة العسكرية لخصوم الولايات المتحدة.
دعوات لحماية أبحاث دافعي الضرائب الأميركيين
وأكد معدّو التقرير ضرورة أن تبذل الولايات المتحدة جهودًا أكبر وأكثر صرامة لحماية أبحاث التكنولوجيا المتقدمة، وضمان عدم استفادة الصين من نتائج الأبحاث التي يتم تمويلها من الخزانة الأميركية.
وشدد التقرير على أن الثغرات التنظيمية الحالية تسمح لبكين بالاستفادة غير المباشرة من منظومة البحث العلمي الأميركية المفتوحة، ما يشكّل خطرًا على الأمن القومي الأميركي، خصوصًا في مجالات الطاقة النووية، والذكاء الاصطناعي، والمواد المتقدمة، وتطبيقاتها العسكرية.
توصيات بتشديد سياسات التمويل والرقابة
وأوصى التقرير بإجراء تغييرات جوهرية لتعزيز حماية البحث العلمي في الولايات المتحدة، من بينها:
- وضع سياسات جديدة أكثر صرامة لوزارة الطاقة الأميركية
- اعتماد معايير أمنية أوضح عند اتخاذ قرارات تمويل الأبحاث
- فرض رقابة أشد على المشاريع البحثية التي تتضمن شراكات مع مؤسسات صينية
ويرى معدّو التقرير أن هذه الخطوات باتت ضرورية لمنع استغلال الانفتاح الأكاديمي الأميركي في تعزيز التفوق العسكري الصيني.
تحقيق موسّع في أنشطة الحزب الشيوعي الصيني
وجاء التقرير في إطار تحقيق مشترك أجرته اللجنة المعينة من مجلس النواب الأميركي لمتابعة تحركات الحزب الشيوعي الصيني، بالتعاون مع لجنة التعليم والقوى العاملة، ضمن مساعٍ تشريعية أوسع تهدف إلى تحجيم النفوذ الصيني داخل المؤسسات الأكاديمية والبحثية الأميركية.
ويعكس هذا التحقيق قناعة متزايدة داخل الكونغرس بأن المنافسة مع الصين لم تعد تقتصر على التجارة أو الدبلوماسية، بل باتت معركة استراتيجية على المعرفة والتكنولوجيا المتقدمة.
آلاف الأبحاث المشتركة تثير القلق
وكشف المحققون عن نشر أكثر من 4300 ورقة بحثية خلال الفترة الممتدة بين يونيو 2023 ويونيو الماضي، تضمنت تعاونًا علميًا بين باحثين ممولين من وزارة الطاقة الأميركية وباحثين صينيين.
والأكثر إثارة للقلق، بحسب التقرير، أن نحو نصف هذه الأبحاث شارك فيها باحثون صينيون مرتبطون بشكل مباشر بالجيش الصيني أو بما يُعرف بـ”القاعدة الصناعية الدفاعية الصينية”، ما يطرح تساؤلات خطيرة حول طبيعة الاستفادة النهائية من هذه الأبحاث.
تمويل فيدرالي يصل إلى مؤسسات تعمل لصالح الجيش الصيني
وأشار التقرير إلى أن أموالًا فيدرالية أميركية وُجّهت إلى تعاون بحثي مع مختبرات وجامعات صينية مملوكة للدولة، تعمل بشكل مباشر لصالح الجيش الصيني، بما في ذلك مؤسسات مدرجة في قاعدة بيانات وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) للشركات العسكرية الصينية العاملة داخل الولايات المتحدة.
واعتبر التقرير أن هذا الأمر يمثل اختراقًا خطيرًا لمنظومة التمويل العلمي الأميركية، ويستدعي إعادة تقييم شاملة لكيفية منح التمويل وآليات المتابعة والمساءلة.
ارتباطات بهجمات إلكترونية وانتهاكات أمنية
كما رصد التقرير تعاونًا بحثيًا بين باحثين أميركيين وجهات صينية متهمة بشن هجمات إلكترونية والمشاركة في انتهاكات أمنية داخل الصين، وفق ما نقلته وكالة “أسوشيتد برس”.
ويعزز هذا الاكتشاف المخاوف من أن بعض هذه الشراكات قد تُستخدم ليس فقط لأغراض بحثية، بل أيضًا في تعزيز القدرات السيبرانية والهجومية للصين.
صراع التكنولوجيا يتحول إلى أولوية أمن قومي
يعكس التقرير تحوّل ملف البحث العلمي والتكنولوجي إلى قضية أمن قومي بامتياز في الولايات المتحدة، في ظل إدراك متزايد بأن التفوق العلمي لم يعد منفصلًا عن ميزان القوة العسكرية.
ويؤكد مشرعون أميركيون أن حماية الابتكار المحلي باتت ضرورة استراتيجية، خصوصًا في مواجهة دولة مثل الصين، التي تمزج بين المجالين المدني والعسكري ضمن استراتيجيتها الوطنية.
خلاصة
يضع هذا التقرير الكونغرس والإدارة الأميركية أمام اختبار حاسم:
إما الاستمرار في نموذج الانفتاح البحثي دون ضوابط كافية، أو إعادة صياغة سياسات البحث والتمويل بما يوازن بين التعاون العلمي وحماية الأمن القومي، في ظل صراع عالمي متسارع على التكنولوجيا والمعرفة.
