
كشفت دراسة علمية حديثة عن نتائج أولية واعدة لاستخدام التحفيز الكهربائي منخفض التردد للدماغ في تحسين بعض اضطرابات الكلام والبلع لدى الأشخاص الذين تعرضوا لإصابات دماغية رضية، في خطوة قد تمهد مستقبلًا لتطوير أساليب جديدة في مجال إعادة التأهيل العصبي
وأظهرت النتائج أن تحفيز منطقة عميقة في الدماغ تعرف باسم المهاد الحركي قد يعزز نشاط العضلات المرتبطة بحركات الوجه والحلق، وهي عضلات تؤدي دورًا أساسيًا في النطق والبلع
لكن الباحثين شددوا على أن النتائج ما تزال أولية، وأن التقنية تحتاج إلى دراسات سريرية أوسع قبل إمكانية اعتبارها علاجًا معتمدًا لاضطرابات الكلام أو البلع الناتجة عن إصابات الدماغ
ما هو التحفيز العميق للدماغ؟
التحفيز العميق للدماغ هو تقنية تعتمد على توصيل نبضات كهربائية إلى مناطق محددة داخل الدماغ بهدف تعديل نشاط الدوائر العصبية المرتبطة بوظائف معينة
ووفقًا لما أعلنته كلية الطب في جامعة بيتسبرغ الأمريكية، قادت الباحثة إلفيرا بيرونديني الدراسة بالتعاون مع فريق من الباحثين في الجامعة، ونُشرت نتائجها في مجلة Nature Communications
وركز العلماء على منطقة المهاد الحركي، التي ترتبط بالقشرة الحركية وتشارك في تنظيم وتنسيق عدد من الوظائف والحركات
استهداف المهاد الحركي لتحسين وظائف الوجه والحلق
اختبر الباحثون تأثير التحفيز الكهربائي منخفض التردد لدى ثمانية مشاركين يتمتعون بمسارات عصبية سليمة مرتبطة بالكلام والبلع
واستخدم الفريق ترددات تراوحت بين 50 و80 هرتز، ولاحظ الباحثون زيادة في نشاط العضلات المسؤولة عن حركات الوجه والحلق دون تسجيل تراجع في قدرة المشاركين على الكلام
وتشير هذه النتائج إلى أن استخدام ترددات كهربائية محددة قد يساعد على تعزيز النشاط الحركي في العضلات التي يعتمد عليها الإنسان في النطق والبلع
تحسن ملحوظ في الكلام والبلع بعد إصابة دماغية
وفي تجربة لإثبات المفهوم، استخدم الباحثون التقنية لدى مشارك يعاني من إصابة دماغية رضية مزمنة أدت إلى اضطراب شديد في النطق وصعوبة متوسطة في البلع
وأظهرت النتائج تحسنًا في حركة عضلات الوجه وكفاءة البلع، إلى جانب تحسن القدرة على التحكم في جوانب مختلفة من الكلام عند تشغيل التحفيز منخفض التردد
وكان التحسن لافتًا بصورة خاصة في اختبارات وضوح الكلمات
فخلال ثلاث جلسات منفصلة، سجل المشارك تحسنًا بنسبة 8% و20% و16% عند تشغيل التحفيز الكهربائي مقارنة بالفترات التي كان فيها التحفيز متوقفًا
وبحسب المعايير التي أشار إليها الباحثون، فإن تغيرًا بنسبة 7% يمكن اعتباره تحسنًا ذا أهمية سريرية، بينما يمثل التحسن بنسبة 15% تغيرًا سريريًا كبيرًا
لماذا قد تكون الترددات المنخفضة أكثر فاعلية؟
أظهرت الدراسة اختلافًا بين تأثير التحفيز منخفض التردد والتحفيز عالي التردد المستخدم في بعض تطبيقات التحفيز العميق للدماغ
ووجد الباحثون أن الترددات المنخفضة أظهرت قدرة أكبر على تعزيز النشاط الحركي المرتبط بعضلات الوجه والحلق، بينما ارتبطت الترددات المرتفعة في دراسات سابقة بتأثيرات سلبية محتملة في الكلام
وقد يكون هذا الاختلاف مهمًا في تطوير تقنيات التحفيز العصبي مستقبلًا، إذ يمكن أن يساعد اختيار التردد المناسب على استهداف الوظائف المطلوبة مع تقليل التأثيرات غير المرغوبة
كيف يساعد التحفيز الكهربائي الدماغ بعد الإصابة؟
يرجح الباحثون أن التحفيز منخفض التردد لا يعمل بالضرورة من خلال إنشاء مسارات عصبية جديدة بين الدماغ والعضلات
وبدلًا من ذلك، قد يساعد على تعزيز المسارات العصبية المتبقية بعد الإصابة الدماغية وتحسين الاستفادة من الاتصالات التي لم تتضرر بصورة كاملة
ويفتح هذا التفسير مجالًا مهمًا أمام أبحاث إعادة التأهيل العصبي، خصوصًا لدى المرضى الذين يحتفظون بجزء من الوظائف العصبية بعد الإصابة
هل يمكن استخدام التقنية لعلاج اضطرابات الكلام والبلع؟
على الرغم من النتائج المشجعة، أكد الباحثون أن الدراسة لا تمثل تجربة سريرية علاجية واسعة، ولذلك لا يمكن حاليًا اعتبار التحفيز العميق منخفض التردد علاجًا مثبتًا لاستعادة الكلام أو البلع بعد إصابات الدماغ
كما أن الجزء المتعلق بالمصابين بإصابات دماغية رضية اعتمد على عدد محدود للغاية من الحالات، وهو ما يمنع تعميم النتائج على جميع المرضى
ويحتاج العلماء إلى إجراء دراسات أكبر تشمل مجموعات متنوعة من المصابين لتحديد مدى سلامة التحفيز العميق للدماغ وفاعليته، ومعرفة المرضى الأكثر احتمالًا للاستفادة منه والترددات المثلى لكل حالة
خطوة جديدة في أبحاث إعادة التأهيل العصبي
تقدم الدراسة دليلًا أوليًا على إمكانية توظيف التحفيز الكهربائي منخفض التردد للمهاد الحركي لدعم بعض الوظائف المرتبطة بالكلام والبلع بعد الإصابات العصبية
وفي حال أكدت الدراسات المستقبلية هذه النتائج على أعداد أكبر من المرضى، فقد تسهم التقنية في تطوير استراتيجيات جديدة لإعادة التأهيل تستفيد من المسارات العصبية التي تظل سليمة جزئيًا بعد الإصابة
ومع ذلك، تبقى هذه التقنية في المرحلة البحثية، ولا تزال هناك حاجة إلى المزيد من التجارب والدراسات قبل اعتمادها على نطاق واسع لعلاج اضطرابات الكلام والبلع بعد إصابات الدماغ
أسئلة شائعة حول تحفيز الدماغ واضطرابات الكلام والبلع
هل التحفيز الكهربائي للدماغ يعيد القدرة على الكلام؟
لا تثبت الدراسة أن التحفيز الكهربائي يعيد القدرة على الكلام بصورة عامة، لكنها أظهرت تحسنًا أوليًا في بعض جوانب الكلام لدى حالة مصابة بإصابة دماغية رضية مزمنة، وتحتاج النتائج إلى دراسات أكبر لتأكيدها
ما المنطقة التي استهدفها الباحثون في الدماغ؟
استهدفت الدراسة منطقة المهاد الحركي، وهي منطقة عميقة في الدماغ ترتبط بالقشرة الحركية وتشارك في تنظيم عدد من الوظائف الحركية
ما التردد الكهربائي المستخدم في الدراسة؟
اختبر الباحثون تحفيزًا منخفض التردد تراوح بين 50 و80 هرتز، وأظهرت النتائج قدرة هذه الترددات على تعزيز نشاط العضلات المرتبطة بحركات الوجه والحلق
هل أصبح التحفيز العميق للدماغ علاجًا لصعوبة البلع بعد إصابات الدماغ؟
لا، النتائج ما تزال أولية ولا تكفي لاعتماد التقنية علاجًا لهذه الحالات، ويحتاج الباحثون إلى دراسات سريرية أكبر لتقييم السلامة والفاعلية قبل استخدامها على نطاق واسع
