
كشفت دراسة بريطانية حديثة أن رحلة المريض بعد النجاة من النوبة القلبية قد لا تسير بالطريقة نفسها لدى جميع الأشخاص، إذ حدد باحثون 3 مسارات صحية رئيسية يمكن أن يتبعها الناجون خلال السنوات الخمس التالية للإصابة.
واعتمد الباحثون من جامعة سري البريطانية على تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي لتحليل السجلات الصحية لآلاف المرضى، في محاولة لفهم كيفية تطور حالتهم الصحية بعد الإصابة بالنوبة القلبية، وتحديد الأشخاص الأكثر عرضة للمضاعفات والوفاة.
وتفتح هذه النتائج الباب أمام إمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي مستقبلاً لمساعدة الأطباء على توقع المسار الصحي المحتمل لكل مريض، وبالتالي التدخل مبكراً وتقديم رعاية أكثر تخصيصاً وفق عوامل الخطورة الخاصة به.
ماذا يحدث للجسم أثناء النوبة القلبية؟
تحدث النوبة القلبية عندما يتوقف أو ينخفض تدفق الدم بصورة حادة إلى جزء من عضلة القلب، وغالباً ما يكون ذلك نتيجة انسداد أحد الشرايين التاجية بسبب جلطة دموية.
ويؤدي نقص تدفق الدم إلى حرمان أنسجة القلب من الأكسجين، ما قد يتسبب في تلف جزء من عضلة القلب. لذلك تُعد النوبة القلبية حالة طبية طارئة تتطلب الحصول على الرعاية الطبية بأسرع وقت ممكن للحد من الضرر والمضاعفات المحتملة.
لكن النجاة من النوبة القلبية ليست نهاية رحلة العلاج؛ فالحالة الصحية للمريض قد تتغير على مدى السنوات التالية، وقد تظهر أمراض أو مضاعفات تختلف بشكل كبير من شخص إلى آخر.
الذكاء الاصطناعي يتتبع صحة نحو 13 ألف مريض
اعتمد الباحثون في دراستهم على السجلات الصحية لنحو 13 ألف شخص في بريطانيا سبق لهم التعرض لنوبة قلبية.
وبدلاً من دراسة مرض واحد أو مضاعفة واحدة بصورة منفصلة، تتبع الفريق توقيت وتسلسل التشخيصات الطبية الجديدة التي ظهرت لدى المرضى بعد النوبة القلبية.
بعد ذلك، استخدم الباحثون تقنيات التعلم الآلي لتحليل الكم الكبير من البيانات وتصنيف المرضى وفق أوجه التشابه في تطور حالتهم الصحية.
وأظهر التحليل وجود 3 مسارات صحية رئيسية خلال السنوات الخمس التالية للنوبة القلبية.
المسار الأول: أمراض القلب والتمثيل الغذائي
كان هذا المسار الأكثر شيوعاً، إذ شمل نحو 63% من المرضى المشاركين في الدراسة.
وتميز بظهور مجموعة من أمراض القلب واضطرابات التمثيل الغذائي، من بينها:
- ارتفاع ضغط الدم.
- السكري من النوع الثاني.
- اضطرابات مستويات الدهون في الدم.
- مضاعفات متقطعة مرتبطة بالقلب والجهاز التنفسي.
ويمثل هذا المسار غالبية الناجين الذين شملتهم الدراسة، لكنه لم يكن المسار الذي سجل أعلى نسبة للوفيات.
المسار الثاني: مشكلات الرئتين والعضلات والعظام
شمل المسار الثاني نحو 23% من المرضى، وارتبط بتراجع وظائف الرئتين والجهاز العضلي الهيكلي ومشكلات في أعضاء أخرى.
وأشار الباحثون إلى اعتقادهم بأن أفراد هذه المجموعة كانوا مرتبطين بدرجة أكبر بالتدخين.
وكان هذا المسار الأكثر إثارة للقلق من حيث النتائج الصحية؛ إذ وصلت نسبة الوفيات إلى 44% بين أفراد هذه المجموعة، وهي نسبة تزيد على 3 أضعاف معدل الوفيات المسجل في المجموعة الأكبر المرتبطة بأمراض القلب والتمثيل الغذائي.
وتسلط هذه النتيجة الضوء على أهمية النظر إلى صحة الناجين من النوبات القلبية بصورة شاملة، وعدم التركيز على القلب وحده عند تقييم المخاطر طويلة المدى.
المسار الثالث: اضطراب نظم القلب ومشكلات الكلى
أما المسار الصحي الثالث فشمل نحو 14% من المرضى.
وتميز بظهور أمراض هيكلية في القلب واضطرابات في نظم القلب، إلى جانب مشكلات مرتبطة بوظائف الكلى.
وتشير هذه الاختلافات بين المجموعات الثلاث إلى أن المرضى الذين ينجون من النوبة القلبية قد يواجهون أنماطاً مختلفة من الأمراض والمضاعفات، ما يعزز الحاجة إلى متابعة صحية تتناسب مع حالة كل مريض.
هل يمكن التنبؤ بصحة المريض بعد النوبة القلبية؟
من أبرز ما توصلت إليه الدراسة أن الباحثين استطاعوا التنبؤ بالمسار الصحي المحتمل للمريض منذ وقت الإصابة بالنوبة القلبية، اعتماداً على مجموعة من المعلومات المتاحة مسبقاً.
وشملت هذه المعلومات التشخيصات الطبية السابقة للمريض وبياناته الديموغرافية.
وأظهرت أداة الذكاء الاصطناعي قدرة على التعرف على الأشخاص الأكثر عرضة للدخول في المسار الصحي عالي الخطورة.
ومن أبرز العوامل التي ارتبطت بالمسار الأكثر خطورة:
- وجود أمراض في الجهاز التنفسي.
- التقدم في العمر.
- ارتفاع مستويات الحرمان الاجتماعي والاقتصادي.
وقد تساعد معرفة هذه العوامل مبكراً، إذا أثبت النهج فعاليته في مزيد من الدراسات والتطبيقات السريرية، على تحسين طريقة متابعة المرضى بعد خروجهم من المستشفى.
اختلافات بيولوجية بين المرضى
لم يتوقف الباحثون عند تحليل السجلات الطبية، بل حاولوا معرفة ما إذا كانت المسارات الصحية الثلاثة مرتبطة أيضاً باختلافات بيولوجية حقيقية.
وأظهر التحليل الجيني وجود ارتباطات مختلفة لكل مجموعة.
فقد ارتبط المسار الأكثر شيوعاً، المتعلق بأمراض القلب والتمثيل الغذائي، بعمليات تشمل تنشيط الجهاز المناعي وإعادة تشكيل الأنسجة.
أما المجموعة المرتبطة بأمراض القلب الهيكلية واضطرابات نظم القلب، فظهرت لديها ارتباطات بعمليات تتعلق بإشارات الإنسولين ونقل الدهون.
في حين ارتبط المسار الذي تميز بمشكلات الجهاز التنفسي والتدخين بعمليات مرتبطة بـالالتهاب المزمن.
وتدعم هذه النتائج فكرة أن الاختلافات بين مسارات المرضى قد لا تكون مجرد أنماط إحصائية، بل يمكن أن ترتبط بعمليات بيولوجية مختلفة داخل الجسم.
كيف يمكن أن يغير الذكاء الاصطناعي رعاية مرضى القلب؟
يمكن أن تتمثل الأهمية المستقبلية لهذه النتائج في الانتقال من تقديم نمط متابعة متقارب لجميع الناجين من النوبات القلبية إلى رعاية صحية أكثر تخصيصاً.
فإذا أمكن للأطباء تحديد المسار الأكثر احتمالاً لكل مريض في وقت مبكر، فقد يصبح من الممكن تكثيف المتابعة لدى الأشخاص الأعلى خطورة، ومراقبة المشكلات الصحية الأكثر احتمالاً للظهور لديهم، وتصميم خطط رعاية تتناسب بصورة أفضل مع احتياجاتهم.
ومع ذلك، أشار الباحثون إلى أن هذا النهج لا يزال في مراحله المبكرة، وبالتالي يحتاج إلى مزيد من البحث والتحقق قبل اعتماده على نطاق واسع في الممارسة الطبية.
ماذا تعني نتائج الدراسة للناجين من النوبة القلبية؟
توضح الدراسة أن التعافي بعد النوبة القلبية لا يرتبط بالقلب فقط، بل قد تتداخل معه صحة الرئتين والكلى والتمثيل الغذائي والجهاز العضلي الهيكلي وغيرها من العوامل.
كما تشير النتائج إلى إمكانية الاستفادة مستقبلاً من الذكاء الاصطناعي في أمراض القلب لاكتشاف المرضى الأكثر عرضة للمضاعفات قبل تطورها، وهو ما قد يمنح الأطباء فرصة أكبر للتدخل المبكر.
لكن نتائج الدراسة لا تعني إمكانية معرفة مستقبل كل مريض بصورة مؤكدة؛ إذ تقدم النماذج القائمة على الذكاء الاصطناعي تقديرات للمخاطر والأنماط المحتملة، ولا تحل محل التقييم الطبي الفردي.
أسئلة شائعة عن التعافي بعد النوبة القلبية
ما المسارات الصحية التي قد تظهر بعد النوبة القلبية؟
حددت الدراسة 3 أنماط رئيسية: مسار يرتبط بأمراض القلب والتمثيل الغذائي، ومسار يرتبط بتدهور وظائف الرئتين والجهاز العضلي الهيكلي ومشكلات أخرى، ومسار يرتبط بأمراض القلب الهيكلية واضطرابات نظم القلب ومشكلات الكلى.
أي مسار سجل أعلى معدل للوفيات؟
وفقاً لنتائج الدراسة، سجلت المجموعة المرتبطة بمشكلات الرئتين والتي اعتُقد ارتباطها بالتدخين أعلى نسبة للوفيات، وبلغت 44%.
هل يستطيع الذكاء الاصطناعي التنبؤ بمضاعفات النوبة القلبية؟
أظهرت الدراسة إمكانية استخدام بيانات المريض السابقة والديموغرافية للمساعدة في توقع المسار الصحي المحتمل وتحديد المرضى الأعلى خطورة. إلا أن هذا النهج ما زال في مرحلة بحثية مبكرة ويحتاج إلى مزيد من التحقق قبل استخدامه على نطاق سريري واسع.
لماذا تعد المتابعة بعد النوبة القلبية مهمة؟
لأن النجاة من النوبة القلبية لا تمنع ظهور مضاعفات أو أمراض أخرى لاحقاً. وتساعد المتابعة الطبية المنتظمة على تقييم عوامل الخطورة ومراقبة صحة القلب والحالة الصحية العامة للمريض.
