
تشهد الزراعة العراقية اليوم تحديات غير مسبوقة بسبب تفاقم الأزمة المناخية وشح المياه، ما جعل مستقبل الموسم الزراعي المقبل في مهب الريح. ومع استمرار موجات الجفاف وانخفاض مستويات المياه في نهري دجلة والفرات، يبدو أن الخطة الزراعية الجديدة في العراق ستكون رهينة الظروف المناخية المتقلبة، وفق ما أكده النائب العراقي ثائر الحبوري، عضو لجنة الزراعة والمياه في البرلمان.
جفاف لم يشهده العراق منذ قرن
في تصريحات لصحيفة “الزوراء”، الصادرة عن نقابة الصحفيين العراقيين، حذر النائب الحبوري من أن العراق يواجه سيناريو جفاف هو الأسوأ منذ 100 عام، وفقاً للتقارير الصادرة عن وزارة الموارد المائية. وتستند هذه التحذيرات إلى تقييمات موضوعية تعتمد على معدلات الإطلاقات المائية الواردة في نهري دجلة والفرات، إضافة إلى مستويات الخزين الاستراتيجي من المياه.
وأوضح الحبوري أن الواقع الحالي بات معقدًا للغاية، حيث يفرض تعليق الخطة الزراعية للموسم المقبل حتى إشعار آخر، في انتظار ظهور مؤشرات إيجابية في الجانب المناخي أو تحسن في الموارد المائية المتاحة.
دعوات لوضع خطة زراعية طارئة تضمن الأمن الغذائي
أمام هذا الوضع المتأزم، دعت لجنة الزراعة والمياه في البرلمان العراقي الحكومة إلى إعداد خطة زراعية مبكرة تتعامل مع الجفاف كواقع حتمي، بدلاً من انتظار التحسن في الظروف المناخية. وتتمثل أولويات هذه الخطة في تعزيز الأمن الغذائي، عبر التركيز على زراعة المحاصيل الاستراتيجية واستخدام أساليب ري متطورة، إلى جانب الاعتماد على الآبار الجوفية كمصدر بديل للمياه.
وأشار الحبوري إلى أن بعض المحاصيل مثل الحنطة (القمح) والشعير والأرز قد تتأثر بالجفاف، لكنها لن تتوقف تماماً، خاصة في المناطق التي بدأت باستخدام تقنيات الري بالتنقيط أو الري تحت السطحي، إلى جانب استثمار مياه الآبار لتأمين الحد الأدنى من الإنتاج.
مخزون القمح مطمئن حتى 2027 رغم الأزمات
في ظل هذه المخاطر، طمأن مدير الشركة العامة لتجارة الحبوب في وزارة التجارة، حيدر نوري الكرعاوي، المواطنين بأن مخزون الحنطة في العراق بلغ نحو 6.3 ملايين طن، وهو ما يكفي لتغطية الاستهلاك المحلي حتى نهاية يونيو/حزيران 2025، بل وهناك كميات تكفي حتى بداية عام 2027، وهو ما يمثل عنصر استقرار مهم في ظل الضغوط المناخية والاقتصادية المتزايدة.
هذا المخزون الكبير جاء نتيجة خطط استراتيجية لتأمين الأمن الغذائي خلال السنوات الماضية، رغم التحديات التي تواجه القطاع الزراعي، ما ساهم في تجنب أزمة خبز كانت ستُثقل كاهل المواطنين في حال تفاقمت الظروف الراهنة.
خطة زراعية مرتقبة في سبتمبر.. بانتظار القرار النهائي
بحسب المصادر الحكومية، من المقرر أن تعلن الحكومة العراقية خلال سبتمبر/أيلول المقبل عن الخطة الزراعية الجديدة للموسم القادم، وذلك بعد تقييم شامل لمستويات الخزين المائي. وستعتمد هذه الخطة على البيانات الميدانية لمستوى المياه في السدود والخزانات، إلى جانب تطورات المناخ خلال الأسابيع المقبلة.
نصف أراضي العراق مهددة بالتصحر
تتفاقم الأزمة مع تحذير وزارة التخطيط العراقية من أن ما يقرب من 50% من أراضي البلاد مهددة بالتصحر نتيجة التغيرات المناخية وانخفاض مناسيب المياه في نهري دجلة والفرات، بالإضافة إلى انخفاض معدلات هطول الأمطار.
هذا التدهور البيئي أدى إلى تدهور خصوبة التربة وتراجع الإنتاج الزراعي، لا سيما في مناطق الوسط والجنوب التي تعتمد بشكل أساسي على الزراعة كمصدر دخل رئيسي للسكان.
موجات نزوح داخلية في الجنوب بسبب الجفاف
في مشهد يعكس الأبعاد الإنسانية والاقتصادية للأزمة، تشهد محافظات الجنوب العراقي مثل البصرة وذي قار والمثنى موجات نزوح داخلي غير مسبوقة، مع ترك آلاف العوائل لمناطقهم بسبب شح المياه وجفاف الأنهار والأهوار، ما تسبب في انهيار النشاط الزراعي وتراجع فرص العيش الكريم.
خاتمة: مستقبل الزراعة في العراق رهن التحديات المناخية
تمر الزراعة في العراق بمرحلة دقيقة وحساسة، تتطلب إجراءات عاجلة واستراتيجيات طويلة المدى لمواجهة شبح الجفاف والتصحر. وإذا لم يتم التحرك سريعًا نحو اعتماد تقنيات الزراعة الذكية والري الحديث وتوسيع مصادر المياه البديلة، فإن البلاد قد تواجه أزمة غذائية خانقة خلال السنوات المقبلة.
المطلوب اليوم ليس فقط خطة زراعية مؤقتة، بل رؤية وطنية شاملة للأمن المائي والزراعي تضمن استدامة الإنتاج وتمنع انهيار الريف العراقي.
