
في خطوة استراتيجية جديدة على طريق تطوير تقنيات الفضاء، أطلقت الصين أول سفينة مسيّرة متطورة مخصصة لاستعادة الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام، مستفيدة من خبرات نموذج “سبيس إكس” الأمريكي، لتصبح ثاني دولة فقط في العالم تحقق هذا الإنجاز التكنولوجي. ويأتي هذا الإطلاق في ظل تزايد الطموحات الصينية في مجال استكشاف الفضاء وتطوير قطاع فضائي تجاري متقدم.
أهمية التقنية وتأثيرها في صناعة الفضاء
تُعتبر تقنية الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام من الركائز الأساسية لخفض كلفة رحلات الفضاء، إذ تسمح بإعادة استخدام أجزاء المكلف من الصاروخ، بدلاً من حرقها أو فقدانها في البحر بعد الإطلاق. وتطوير السفن المسيّرة لاستعادة هذه الأجزاء يُعزز من إمكانية خفض التكاليف بشكل جذري، مما يفتح آفاقًا واسعة لتوسع برامج الفضاء، وتطوير تقنيات جديدة في النقل الفضائي والتجارة بين الكواكب.
سفينة “العودة بين النجوم”: إنجاز iSpace الخاص
تم تطوير السفينة الجديدة التي حملت اسم Xingji Guihang أو “العودة بين النجوم” من قبل شركة iSpace (آي سبيس) الخاصة لعلوم الفضاء ومقرها بكين. وتهدف هذه السفينة إلى استعادة الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام التي تطورها شركات صينية مختلفة، عبر التقاط معززات المرحلة الأولى للصواريخ مباشرة من سطح البحر.
وأكدت iSpace في بيان حديث أن السفينة ستستخدم لإطلاق صاروخها SQX-3 في وقت لاحق من هذا العام، مع إمكانية دعم مهمات استعادة معززات صاروخية مختلفة الأحجام في المستقبل، سواء كانت متوسطة أو كبيرة.
التكنولوجيا المتقدمة لسفينة الاستعادة
تتميز سفينة iSpace المجهزة بنظام تحديد مواقع ديناميكي متطور، يسمح لها بالعمل بشكل مستقل تمامًا في المحيطات، حيث تبلغ مساحة سطح الاستعادة نحو 2400 متر مربع، ما يجعلها قادرة على استيعاب معززات الصواريخ بسهولة. وتتيح هذه التكنولوجيا للسفينة التعامل مع الأحمال الثقيلة وتحديد مواقعها بدقة عالية، حتى في ظروف بحرية صعبة مثل الأمواج العالية.
تجدر الإشارة إلى أن السفينة صُممت وأُطلقت من مدينة يانجتشو في مقاطعة جيانجسو، وهي الآن تحت مراحل الاختبار قبل الانتقال إلى الساحل، ثم إلى مقاطعة هاينان لتسليمها رسميًا في أكتوبر القادم.
الصين تتبنى نهج “سبيس إكس” في سباق الفضاء
تسعى الصين من خلال هذه الخطوة إلى اللحاق بالولايات المتحدة في مجال استكشاف الفضاء التجاري، متبعة نفس النموذج الذي جمع بين استثمارات القطاعين العام والخاص، مما مهد الطريق لشركة سبيس إكس بقيادة إيلون ماسك لتحقيق قفزات تقنية كبيرة.
تجدر الإشارة إلى أن شركة سبيس إكس كانت أول من طور واستعمل سفنًا مسيّرة لاستعادة معززات صاروخ فالكون 9، حيث نجحت في تنفيذ أول استعادة ناجحة عام 2015، وتمتلك اليوم أسطولاً من ثلاث سفن مسيّرة تدعم مهمات الاسترجاع.
كيف تعمل تقنية استعادة الصواريخ؟
تُستخدم السفن المسيّرة لاستعادة معززات المرحلة الأولى للصواريخ بعد انتهاء مهمتها، إذ تطلق الصواريخ عادة من مواقع أرضية، ويُعاد المعزز إلى الأرض عن طريق الهبوط الناعم في البحر أو العودة إلى موقع الإطلاق، بحسب وزن الحمولة والسرعة المطلوبة.
وعندما تكون الحمولة ثقيلة أو تتطلب سرعات عالية، لا يكون للمعزز وقود كافٍ للعودة إلى نقطة الانطلاق، لذا تلعب السفن المسيّرة دورًا حاسمًا في التقاط المعززات من المحيط وإعادتها إلى مركز الفحص وإعادة الاستخدام.
من أين تبدأ الرحلة؟
بدأت الصين بالنجاح في استعادة معززات الصواريخ الكبيرة مثل معزز “ستارشيب” العملاق العام الماضي، وها هي اليوم تحقق قفزة أخرى بتطوير سفينة مسيّرة خاصة بها، بعدما كانت الولايات المتحدة الدولة الوحيدة التي تمتلك هذه التقنية.
وقد تلقت مشاريع iSpace دعمًا ماليًا من مجموعة تشنجدو للاستثمار الصناعي، المملوكة للدولة، مما يؤكد أهمية المشروع ضمن الاستراتيجية الوطنية الصينية للفضاء.
المستقبل بين النجوم: ماذا يعني هذا الإنجاز؟
إن تطوير سفن مسيّرة لاستعادة الصواريخ يفتح آفاقًا جديدة لصناعة الفضاء الصينية، حيث يمثل جزءًا لا يتجزأ من تقنيات تقليل التكلفة وزيادة عدد الإطلاقات التجارية. مع استمرار التقدم في هذه التكنولوجيا، قد نشهد مستقبلًا تنافسياً أكثر حدة بين القوى الفضائية الكبرى، حيث تصبح رحلات الفضاء أكثر رخصًا وأكثر تكرارًا، مما يمهد الطريق لاستكشافات فضائية جديدة وربما استعمار الكواكب.
