
في إنجاز علمي جديد يضاف إلى سجل الاكتشافات الأحفورية المصرية، نجح فريق من الباحثين بجامعة المنصورة في توثيق أول حفرية مؤكدة لتيروصور عُثر عليها داخل الأراضي المصرية، في اكتشاف يفتح آفاقاً جديدة لفهم انتشار الزواحف الطائرة في شمال إفريقيا قبل نحو 100 مليون عام.
وجاء الإعلان عن الاكتشاف بعد دراسة علمية نُشرت في مجلة Acta Palaeontologica Polonica، حيث تمكن الباحثون من تحليل عظمة جناح محفوظة بصورة ثلاثية الأبعاد، اكتُشفت في منطقة الواحات البحرية بالصحراء الغربية، لتصبح أول دليل علمي مؤكد على وجود هذه الكائنات الطائرة في مصر، كما تمثل أول سجل موثق لها في شمال شرقي إفريقيا.
لماذا يمثل هذا الاكتشاف أهمية استثنائية؟
يرى الباحثون أن قيمة هذا الاكتشاف لا تكمن فقط في العثور على بقايا تيروصور داخل مصر لأول مرة، بل لأنه يسد فجوة جغرافية ظلت قائمة لعقود في سجل انتشار هذه الزواحف الطائرة.
فعلى الرغم من اكتشاف حفريات للتيروصورات في دول مثل المغرب وتونس ولبنان والأردن، بقيت مصر الحلقة المفقودة في هذه الخريطة العلمية، وهو ما جعل العلماء يتساءلون طويلاً عما إذا كانت هذه الكائنات قد عاشت بالفعل في المنطقة أم أن غياب الأدلة الأحفورية كان مجرد نتيجة لندرة الحفريات.
واليوم، يقدم هذا الاكتشاف إجابة واضحة تؤكد أن التيروصورات كانت تحلق بالفعل فوق الأراضي المصرية خلال منتصف العصر الطباشيري، لتصبح مصر جزءاً مهماً من خريطة انتشار هذه الزواحف الطائرة القديمة.
ما هو التيروصور؟
التيروصور ليس ديناصوراً كما يعتقد البعض، بل هو أحد الزواحف الطائرة التي عاشت خلال حقبة الحياة الوسطى، وظهر لأول مرة قبل نحو 237 مليون سنة في أواخر العصر الترياسي، واستمر وجوده حتى نهاية العصر الطباشيري قبل نحو 66 مليون سنة.
واشتهرت هذه الكائنات بأجنحتها الغشائية المدعومة بإصبع طويل للغاية، ما منحها قدرة كبيرة على الطيران والتحليق لمسافات طويلة، كما تنوعت أحجامها بصورة لافتة؛ إذ تراوح امتداد أجنحة بعضها بين أقل من متر واحد وأكثر من عشرة أمتار لدى الأنواع العملاقة.
ورغم انتشارها في مختلف أنحاء العالم، فإن سجلها الأحفوري ظل غير متوازن، حيث تركزت معظم الاكتشافات في أوروبا وأميركا الشمالية وأميركا الجنوبية، بينما بقيت إفريقيا والمنطقة العربية من أقل المناطق تمثيلاً في الدراسات الأحفورية.
الواحات البحرية تكشف سراً عمره 100 مليون عام
عُثر على الحفرية الجديدة داخل تكوين البحرية في الواحات البحرية، وهو أحد أشهر المواقع الأحفورية في مصر، والذي سبق أن كشف عن ديناصورات عملاقة، وتمساحيات قديمة، وأسماك وزواحف بحرية متنوعة.
وأظهرت الدراسة أن الحفرية تعود إلى تيروصور متوسط الحجم عاش قبل نحو 100 مليون عام تقريباً، خلال السينوماني المبكر من العصر الطباشيري المتأخر.
ويشير هذا العمر الجيولوجي إلى فترة كانت تشهد ازدهاراً كبيراً للحياة على امتداد السواحل القديمة التي كانت تغطي أجزاء واسعة من شمال إفريقيا، عندما كانت المنطقة مختلفة تماماً عن طبيعتها الصحراوية الحالية.
عظمة واحدة قادت إلى اكتشاف تاريخي
المثير في هذا الاكتشاف أن الباحثين لم يعثروا على هيكل عظمي كامل أو جمجمة، بل على عظمة واحدة فقط من الجناح، لكنها احتفظت بخصائص تشريحية دقيقة مكنت العلماء من تحديد هويتها بثقة.
وتتمثل الحفرية في السلامية الأولى لإصبع الجناح الرابع الأيسر، وهي من أهم العظام التي يعتمد عليها العلماء في دراسة التيروصورات.
وعندما اكتُشفت الحفرية خلال بعثة ميدانية عام 2018، كانت العظمة منقسمة إلى أربع قطع متجاورة داخل مساحة صغيرة، قبل أن يخضع كل جزء لعمليات تنظيف وترميم دقيقة، ثم أعيد تركيبها باستخدام تقنيات المسح ثلاثي الأبعاد للحصول على نموذج رقمي متكامل يساعد في تحليل تفاصيلها التشريحية.
كيف تأكد العلماء من هوية الحفرية؟
اعتمد الباحثون على مقارنة العظمة المصرية بعشرات العينات المعروفة عالمياً، حيث تمت دراسة شكل المفاصل، وسماكة الجدار العظمي، والفتحات الهوائية، والنتوءات الخاصة بارتباط العضلات والأوتار.
وأظهرت النتائج أن الحفرية تنتمي على الأرجح إلى مجموعة الأورنيثوكيريات، وهي إحدى أشهر مجموعات التيروصورات التي امتلكت أجنحة قوية وكانت تعيش غالباً بالقرب من السواحل والبحار.
ومع ذلك، تجنب الفريق البحثي نسب الحفرية إلى نوع أو جنس محدد، نظراً لعدم العثور على الجمجمة أو الأسنان أو الفك، وهي العناصر الأساسية التي يعتمد عليها علماء الحفريات في التصنيف الدقيق.
ويعكس هذا النهج حرص الباحثين على الالتزام بالمعايير العلمية وعدم الإعلان عن نوع جديد دون وجود أدلة تشريحية كافية.
بداية لفهم جديد لتاريخ الحياة في مصر
يمثل هذا الاكتشاف نقطة انطلاق جديدة لدراسة الحياة القديمة في مصر، إذ يؤكد أن السجل الأحفوري المصري لا يزال يحمل الكثير من الأسرار التي لم تُكتشف بعد.
كما يعزز مكانة الواحات البحرية باعتبارها واحدة من أغنى المناطق الأحفورية في الشرق الأوسط وإفريقيا، ويمنح الباحثين فرصة لإعادة تقييم التنوع البيولوجي الذي شهدته المنطقة قبل عشرات الملايين من السنين.
وفي الوقت نفسه، يفتح هذا الاكتشاف الباب أمام بعثات علمية جديدة قد تقود مستقبلاً إلى العثور على هياكل أكثر اكتمالاً، تساعد في الكشف عن أنواع جديدة من التيروصورات التي عاشت يوماً فوق سماء مصر القديمة.
