
تصدر اسم السودان مجددًا عناوين الأخبار بعد أن كشفت تقارير أممية حديثة عن إعدامات جماعية وانتهاكات واسعة ضد المدنيين في مدينة الفاشر غربي البلاد، عقب سيطرة قوات الدعم السريع عليها بعد حصار استمر قرابة 18 شهرًا.
هذا الحدث لم يكن مجرد فصل دموي آخر في الحرب الأهلية المستعرة منذ أكثر من عامين، بل يعكس انهيارًا عميقًا في بنية الدولة السودانية، ويفتح الباب واسعًا أمام تساؤلات عن جذور هذا الصراع ومآلاته المستقبلية.
فخلال عامين فقط، تحوّل السودان إلى ساحة حرب مفتوحة، نزح منها أكثر من عشرة ملايين إنسان، وقُتل فيها ما لا يقل عن 150 ألف شخص، وسط صمت دولي مريب وعجز إقليمي عن إيقاف النزيف.
الجذور الأولى: من التحالف إلى الانفجار
لفهم الحرب الحالية، لا بد من العودة إلى ما قبل أبريل 2023، حين كان الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي” حليفين سياسيين في مرحلة ما بعد سقوط نظام عمر البشير عام 2019.
فبعد الإطاحة بالبشير، شكّل الطرفان مجلسًا سياديًا لإدارة المرحلة الانتقالية، لكن الخلافات حول السلطة المدنية، ودمج قوات الدعم السريع داخل الجيش، ومستقبل النفوذ الاقتصادي والعسكري سرعان ما فجّرت الخلاف إلى مواجهة مسلّحة.
كان من المفترض أن يكون الدمج خطوة إصلاحية لبناء جيش وطني موحّد، لكن حميدتي رفض الجدول الزمني المقترح، معتبرًا أن الجيش يريد ابتلاع قواته وتهميش دورها السياسي والعسكري. من هنا بدأ الشرخ الكبير الذي تحول إلى حرب شاملة في أبريل 2023.
صراع السلطة والنفوذ: الجيش مقابل الدولة العميقة
البرهان، القادم من المؤسسة العسكرية التقليدية، يرى نفسه الوريث الشرعي للدولة السودانية، بينما حميدتي يمثل جيلاً جديدًا من القوى المسلحة التي نشأت خارج المؤسسة، مستندًا إلى تحالفات قبلية، وثروات هائلة راكمها من تجارة الذهب والحدود.
لكن خلف هذا الصراع الشخصي يكمن صراع أعمق حول هوية السودان السياسية والاقتصادية:
هل هو بلد يحكمه جيش مركزي محافظ على النمط القديم؟
أم دولة جديدة تقوم على تحالفات محلية ومراكز نفوذ متعددة؟
لقد أعاد الصراع إحياء الانقسامات القديمة بين المركز والهامش، وبين الطبقة العسكرية الحاكمة والمجتمعات المهمّشة في دارفور وكردفان.
دارفور… الجرح الذي لم يلتئم
إقليم دارفور، الذي شهد في أوائل الألفية جرائم إبادة وتطهير عرقي، عاد اليوم ليكون نقطة الاشتعال الكبرى.
فمنذ بداية الحرب، سعت قوات الدعم السريع إلى السيطرة على مدن الإقليم، لما تمثله من عمق قبلي واستراتيجي ومالي.
أما الجيش، فقد فشل في الاحتفاظ بمواقعه هناك بسبب اتساع رقعة القتال وضعف خطوط الإمداد.
مدينة الفاشر كانت آخر معاقل الجيش في دارفور، وصمودها لأكثر من عام ونصف جعلها رمزًا للمقاومة.
لكن سقوطها بيد الدعم السريع لم يكن مجرد انتصار ميداني، بل تحول استراتيجي يعيد رسم موازين القوى في السودان بأسره، إذ بات الإقليم بأكمله خارج سيطرة الحكومة المركزية في بورتسودان.
انهيار الدولة المركزية… وتعدد الجيوش
الحرب السودانية ليست فقط مواجهة بين جيشين، بل تفكك شامل للدولة.
ففي ظل غياب سلطة مركزية فاعلة، برزت عشرات الكتائب والميليشيات المحلية التي تسيطر على مناطقها، بعضها موالٍ للدعم السريع، وبعضها يتحالف مع الجيش أو مع قوى قبلية مستقلة.
هذا التفتت جعل السودان عمليًا يعيش حالة “لبننة سياسية”، أي تحول إلى أرخبيل من الكانتونات المسلحة، كل منها له قيادته وولاؤه وسلاحه.
وبينما يرفع البرهان شعار “الدفاع عن وحدة الوطن”، تترسخ يومًا بعد يوم واقع التجزئة الميدانية والسياسية.
الوجه الخفي للحرب: الاقتصاد والذهب والسلاح
وراء الشعارات الوطنية والدينية، تدور الحرب أيضًا حول ثروات السودان المنهوبة.
فإقليم دارفور وشمال كردفان يحتويان على أكبر مناجم الذهب في البلاد، وهي الموارد التي جعلت من قوات الدعم السريع قوة اقتصادية شبه مستقلة.
وفي المقابل، يعتمد الجيش على دعم خارجي محدود وتحالفات مع الإسلاميين الذين يملكون شبكات تمويل داخلية وخارجية.
كما أن شبكات التهريب عبر الحدود مع ليبيا وتشاد وجنوب السودان تشكّل شريان حياة للطرفين، مما جعل الصراع الاقتصادي والسياسي متداخلًا بشكل يصعب فصله عن البعد العسكري.
البعد الإقليمي والدولي: حرب بالوكالة أم أزمة داخلية؟
لا يمكن فهم الحرب السودانية دون النظر إلى التنافس الإقليمي المحيط بها.
فكل من مصر والإمارات وتشاد لها مصالح مباشرة في مآلات الصراع، سواء عبر دعم طرف على حساب آخر، أو محاولة حماية حدودها من تدفق اللاجئين والمقاتلين.
كما أن القوى الدولية الكبرى، مثل الولايات المتحدة وروسيا، تتعامل مع السودان كساحة نفوذ غير مستقرة، حيث يتقاطع النفط والذهب مع المصالح الجيوسياسية.
وبينما تلوّح بعض الدول بالتدخل الإنساني، تستمر التحالفات الخفية وصفقات السلاح في تغذية الحرب.
الإنسان في قلب الكارثة: أكبر أزمة نزوح في العالم
بحسب تقديرات الأمم المتحدة، يعيش السودان اليوم أكبر أزمة نزوح على وجه الأرض.
فأكثر من عشرة ملايين شخص فقدوا منازلهم، ومئات الآلاف يفرّون نحو مصر وتشاد وجنوب السودان.
المدن تحولت إلى أنقاض، والمستشفيات إلى ساحات حرب، والمجاعات تضرب مناطق بأكملها، خصوصًا في دارفور وكردفان والخرطوم.
وفي ظل انهيار الخدمات، تتزايد التحذيرات من كارثة إنسانية غير مسبوقة تهدد بموت مئات الآلاف جوعًا ومرضًا، فيما يواصل المجتمع الدولي إصدار بيانات الشجب دون فعل حقيقي.
المشهد السوداني إلى أين؟
كل المؤشرات تشير إلى أن الحرب في السودان لن تنتهي قريبًا.
فلا الجيش قادر على تحقيق نصر حاسم، ولا الدعم السريع يمتلك الشرعية الكاملة للحكم.
المعادلة الحالية تجعل من التسوية السياسية خيارًا مؤجلاً، خصوصًا مع تعدد القوى المسلحة وتضارب الأجندات الإقليمية.
لكن المؤكد أن سقوط الفاشر شكّل نقطة تحول لا عودة عنها.
لقد انهارت رمزية الدولة المركزية، وبدأ السودان يدخل مرحلة إعادة التشكيل القسري، حيث تُرسم خرائط جديدة للسلطة والثروة.
وفي غياب قيادة وطنية موحدة، يخشى كثير من المحللين أن يتحول السودان إلى “صومال جديد” في قلب أفريقيا، دولة بلا مركز ولا هوية جامعة.
خاتمة: بين الرماد والأمل
السودان اليوم يقف بين خيارين أحلاهما مرّ:
إما مواصلة حرب استنزاف مدمّرة تقضي على ما تبقى من الدولة،
أو الذهاب إلى طاولة تفاوض حقيقية برعاية دولية تعيد تشكيل نظام سياسي جديد يضمن تمثيل كل الأقاليم.
لكن حتى يتحقق ذلك، سيظل الشعب السوداني هو الضحية الأكبر لصراع الجنرالات، وحلم الدولة المدنية الذي راود الملايين منذ ثورة 2019، يبدو اليوم أبعد من أي وقت مضى.

تعليق واحد
موفق