
تستعد شركات سعودية كبرى لضخ استثمارات ضخمة في الاقتصاد السوري ضمن توجه جديد تتبناه المملكة العربية السعودية لإعادة بناء العلاقات الاقتصادية الإقليمية وتعزيز الاستقرار في الشرق الأوسط.
وتشير تقارير حديثة إلى أن هذه الاستثمارات، التي تقدر بمليارات الدولارات، تأتي في إطار رؤية المملكة الموجهة نحو الأعمال والتنمية، لكنها تصطدم بعقبتين كبيرتين: العقوبات الأميركية المفروضة على سوريا، وتفكك مؤسسات الدولة السورية بعد سنوات من الحرب.
شركات سعودية عملاقة في طريقها إلى دمشق
أكد عبد الله ماندو، الرئيس التنفيذي لـ مجلس الأعمال السعودي السوري، أن من بين الشركات المهتمة بدخول السوق السورية شركتان من أكبر كيانات المملكة الاقتصادية:
- شركة أكوا باور (ACWA Power)، المتخصصة في مشاريع الطاقة المتجددة والمياه.
- شركة الاتصالات السعودية (STC)، الرائدة في قطاع الاتصالات والتقنية.
وأوضح ماندو أن الخطط الاستثمارية السعودية تستهدف إعادة بناء البنية التحتية للطاقة والاتصالات والقطاع المالي، وهي القطاعات التي تمثل العمود الفقري للاقتصاد السوري، في خطوة تهدف إلى إعادة تنشيط الأساس الاقتصادي للبلاد بعد أكثر من عقد من الصراع.
الهدف: ضخ مليارات الدولارات خلال خمس سنوات
وفي تصريحات لوكالة رويترز خلال مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض، كشف ماندو أن الخطة السعودية تهدف إلى جذب مليارات الدولارات من رؤوس الأموال الفعلية إلى سوريا خلال السنوات الخمس المقبلة، مشيرًا إلى أن هناك اهتمامًا متزايدًا من شركات القطاعين العام والخاص في المملكة بالفرص الاستثمارية في سوريا.
ورغم عدم صدور تعليقات رسمية من “أكوا باور” أو “الاتصالات السعودية”، فإن المؤشرات الاقتصادية والسياسية تدل على أن الرياض تمهد أرضية جديدة للتعاون الاقتصادي مع دمشق في مرحلة ما بعد الحرب.
العقوبات الأميركية.. العائق الأكبر أمام الاستثمارات
على الرغم من الزخم السياسي والاقتصادي في العلاقات السعودية السورية، فإن العقوبات الأميركية ما تزال تمثل عقبة ثقيلة أمام أي استثمار فعلي.
ويقول ماندو إن قانون “عقوبات قيصر” ما زال “آخر قيد يخنق الاقتصاد السوري”، رغم التفاهمات الأخيرة التي سمحت برفع جزء من العقوبات بعد التقارب السياسي بين واشنطن ودمشق.
وكانت المملكة قد لعبت دورًا محوريًا في إعادة انخراط المجتمع الدولي مع سوريا، خصوصًا بعد الإطاحة بالرئيس السابق بشار الأسد وصعود الرئيس الجديد أحمد الشرع إلى السلطة، ما فتح الباب أمام مرحلة جديدة من الانفتاح الإقليمي وإعادة التوازن في الشرق الأوسط.
وفي مايو/أيار الماضي، استضافت الرياض لقاءً تاريخيًا بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس السوري أحمد الشرع، أعلن خلاله ترامب عن رفع واسع للعقوبات المفروضة على سوريا، باستثناء عقوبات قيصر التي ما تزال تنتظر موافقة الكونغرس الأميركي لإلغائها قبل نهاية العام الجاري.
إعادة إعمار سوريا.. فاتورة 216 مليار دولار
يُقدّر البنك الدولي كلفة إعادة إعمار سوريا بنحو 216 مليار دولار بعد حرب أهلية مدمرة استمرت 14 عامًا وأدت إلى انهيار البنية التحتية في معظم المدن السورية.
وفي يوليو/تموز الماضي، أعلنت المملكة العربية السعودية عن حزمة استثمارات تتجاوز 6 مليارات دولار في سوريا، تشمل:
- 2.93 مليار دولار لمشروعات البنية التحتية والعقارات.
- 1.07 مليار دولار لقطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.
كما أجرت شركة الدرعية للتطوير العقاري، أحد المشاريع السعودية الضخمة، محادثات مع مسؤولين سوريين بشأن المساهمة في إعادة تأهيل المواقع الأثرية والتاريخية في سوريا ضمن خطط التنمية السياحية المستقبلية.
ويشير رجال أعمال سعوديون وسوريون إلى أن رؤوس الأموال السعودية قد تتدفق قريبًا إلى قطاعات حيوية أخرى مثل الطيران المدني، والتعليم، والطب، إضافة إلى مشاريع السكك الحديدية التي تربط بين السعودية وسوريا مرورًا بالأردن.
رؤية 2030: الاقتصاد السعودي كمحرك للتكامل الإقليمي
يرى محللون اقتصاديون أن انخراط السعودية في مشاريع إعادة إعمار سوريا يتماشى تمامًا مع رؤية ولي العهد الأمير محمد بن سلمان 2030، التي تهدف إلى تنويع الاقتصاد السعودي وتقليل الاعتماد على النفط.
ويقول عادل حمايزية، العضو المنتدب في شركة هايبريدج أدفيزوري، إن هذا التوجه يعكس “رؤية شاملة لتحويل المملكة إلى مركز للتواصل الإقليمي والعالمي”، مشيرًا إلى أن ازدهار الاقتصاد السعودي مرتبط ارتباطًا وثيقًا باستقرار جيرانه واستعادة التكامل الإقليمي.
هذا التوجه يعزز الدور القيادي للمملكة في رسم مستقبل المنطقة اقتصاديًا، ويجعلها اللاعب الأساسي في مرحلة ما بعد الأزمات، خصوصًا مع الحضور البارز للمملكة في مؤتمرات الاستثمار الدولية مثل مبادرة مستقبل الاستثمار التي تحولت إلى منصة لتشكيل التحالفات الاقتصادية الجديدة في الشرق الأوسط.
الشرع: “نختار طريق الاستثمار لا المساعدات”
وفي كلمة ألقاها الرئيس السوري أحمد الشرع خلال مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار بالرياض، أكد أن دمشق اختارت طريق إعادة الإعمار عبر الاستثمارات لا المساعدات، مشددًا على أن سوريا تفتح أبوابها للشراكات الإقليمية التي تضمن التنمية المستدامة بعيدًا عن الاعتماد على الدعم الخارجي.
ويعكس هذا الموقف التحول الجديد في السياسة الاقتصادية السورية نحو الاستثمار المباشر بدلاً من المعونات، وهو ما ينسجم مع الرؤية السعودية لتعزيز الاعتماد على الشراكات الاستراتيجية بدلاً من المساعدات التقليدية.
خاتمة: انطلاقة سعودية نحو شرق أوسط اقتصادي جديد
تشير جميع المؤشرات إلى أن الاستثمارات السعودية في سوريا ستكون نقطة تحول محورية في مستقبل الاقتصاد السوري والعلاقات الإقليمية.
فمع الانفتاح الدبلوماسي وعودة الثقة السياسية، واستعداد الشركات الكبرى مثل أكوا باور وSTC للمشاركة، تبدو سوريا على أعتاب مرحلة اقتصادية جديدة قد تعيد رسم ملامح المنطقة بأكملها.
ومع إصرار الرياض على قيادة مسار التنمية الإقليمي، يتجسد جوهر رؤية 2030 في بعدها الأوسع: تحويل المملكة إلى محور استقرار ونمو يمتد أثره إلى كل دول الشرق الأوسط.

تعليق واحد
موفق