
15 سبتمبر 1963 شهدت الجزائر انتخاب أحمد بن بلة رئيساً لأول مرة بعد الاستقلال عن فرنسا، ليصبح رمزًا للتحرر الوطني ومسار الثورة الجزائرية. رحلة بن بلة من الثورة إلى الحكم ثم الإطاحة تكشف تفاصيل دقيقة عن تاريخ الجزائر الحديث، وصراعاتها السياسية والاجتماعية العميقة.
البدايات: النشأة والتعليم والوعي السياسي
ولد أحمد بن بلة في 25 ديسمبر 1916 بمدينة مغنية بالجزائر، لعائلة مزارعين أصولها من المغرب، وكان والده رجلاً متواضعاً لكنه نشطًا في العمل الزراعي. تلقى بن بلة تعليمه الأولي في المدارس الفرنسية، ثم واصل تعليمه في تلمسان حيث واجه أولى مظاهر التمييز العنصري، وبدأ يقترب من الحركة القومية الناشئة آنذاك.
خاض بن بلة التجربة العسكرية ضمن الجيش الفرنسي عام 1937، وشارك في الحرب العالمية الثانية، حيث حصل على وسام “كروا دو غير” (صليب الحرب) عام 1940، والميدالية العسكرية عام 1944، وارتقى إلى رتبة ضابط. لكن هذه التجربة زادت من رفضه للاستعمار الفرنسي، خاصة بعد أحداث 8 مايو 1945 في سطيف وقالمة وخراطة، التي أودت بحياة آلاف الجزائريين على يد القوات الفرنسية.
النضال ضد الاستعمار: من السياسة إلى السلاح
بعد عودته إلى مسقط رأسه، استأنف بن بلة نشاطه السياسي، متحديًا مصادرة السلطات الفرنسية لمزرعته، وانتُخب مستشارًا لبلدية مغنية عام 1947. لكن تزوير الانتخابات دفعه إلى فقدان الثقة بالمسار الديمقراطي، ليغادر بلدته وينضم إلى الحركة السرية بقيادة مصالي الحاج.
أسس أحمد بن بلة “المنظمة الخاصة”، جناحًا شبه عسكري هدفه التحضير لحمل السلاح ضد الاستعمار الفرنسي. في أبريل 1949 قاد غارة على مركز البريد الرئيسي في وهران لتمويل الأنشطة الثورية، مما عزز مكانته كأحد أبرز قادة الثورة الوطنية.
اعتُقل عام 1950 وسجن في البليدة، لكنه تمكن بعد عامين من الهرب، ليواصل نشاطه السياسي والعسكري من القاهرة، التي أصبحت قاعدة للثوار الجزائريين في الخارج.
جبهة التحرير الوطني والحرب المسلحة
في نوفمبر 1954، شارك بن بلة في اجتماعات سرية في القاهرة، وأسهم في قرارين حاسمين: تأسيس جبهة التحرير الوطني وإطلاق الانتفاضة المسلحة ضد فرنسا. قاد عمليات تهريب الأسلحة إلى الجزائر، ونجا من محاولتي اغتيال في القاهرة وطرابلس.
في أكتوبر 1956، اختطفت طائرة كانت تقلّه من الرباط إلى تونس مع أربعة من رفاقه، وأُلقي القبض عليهم وأودعوا السجن لمدة ست سنوات حتى توقيع اتفاقيات إيفيان 1962 التي مهدت الطريق لاستقلال الجزائر.
أول رئيس للجزائر المستقلة
بعد الاستقلال، انتُخب أحمد بن بلة رئيسًا للحكومة الجزائرية 1962، ثم رئيسًا للجمهورية 1963. خلال فترة حكمه، ركّز على:
- ترسيخ النظام والمؤسسات الوطنية.
- تطوير التعليم، حيث خصص ربع الميزانية الوطنية له.
- الإصلاح الزراعي وتأميم المزارع الكبرى.
- السياسة الخارجية التي شملت تحالفات مع الدول العربية المناهضة لإسرائيل وإنهاء النزاعات الحدودية مع المغرب.
على الرغم من شعبيته، تم الإطاحة به بانقلاب عسكري في 19 يونيو 1965 قاده وزير دفاعه هواري بومدين، الذي اتهمه بالانحراف عن مسار الثورة وتركيز السلطات بيده.
المنفى والعودة إلى الحياة السياسية
وضع بن بلة تحت الإقامة الجبرية حتى عام 1980، ثم انتقل للعيش في فرنسا حتى عام 1990 قبل أن يعود إلى الجزائر. أسس حزب “الحركة الديمقراطية في الجزائر” وشارك في انتخابات 1991 التي ألغيت نتائجها، ورفض حل جبهة الإنقاذ الإسلامية، مؤكدًا على ضرورة احترام الديمقراطية.
مع اندلاع أعمال العنف في الجزائر مطلع التسعينيات، دعا بن بلة إلى المصالحة الوطنية، وغادر البلاد إلى سويسرا حتى عودته النهائية في 1999.
نهاية الرحلة ووفاته
تولى بن بلة رئاسة “مجموعة الحكماء” في الاتحاد الأفريقي” منذ 2007، وشارك في مناسبات وطنية مهمة، منها تنصيب الرئيس بوتفليقة عام 2009.
توفي أحمد بن بلة في 11 أبريل 2012 عن عمر ناهز 96 عامًا، تاركًا إرثًا كبيرًا كأحد أبرز رموز القومية العربية وحركة مناهضة الاستعمار في العالم، وواحد من قادة حركة عدم الانحياز إلى جانب شخصيات مثل فيدل كاسترو وجمال عبد الناصر وماو تسي تونغ.
خاتمة
تاريخ أحمد بن بلة يعكس مسار الثورة الجزائرية من الاستعمار إلى الاستقلال، ويبرز التحديات التي واجهتها الجزائر في بناء الدولة الحديثة. من القتال ضد المستعمر إلى تجربة الحكم والإطاحة والانخراط في السياسة العالمية، تظل حياته رمزًا للقيادة الوطنية والشجاعة السياسية.

تعليق واحد
رائع