
توفي رفعت الأسد، شقيق الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، يوم الثلاثاء عن عمر ناهز 88 عاماً، وفق ما أكده مصدران لوكالة رويترز، مشيرين إلى أن وفاته حدثت في دولة الإمارات.
ويُعد رفعت الأسد إحدى أكثر الشخصيات إثارة للجدل في تاريخ سوريا الحديث، إذ ارتبط اسمه لدى منتقديه بلقب «جزّار حماة» على خلفية دوره في قمع انتفاضة المدينة عام 1982، كما ارتبط بمحاولة انقلابية فاشلة ضد شقيقه، انتهت بنفيه لعقود خارج البلاد.
من شريك في الانقلاب إلى «الرجل الثاني» في الدولة
كان رفعت الأسد ضابطاً بارزاً في الجيش السوري، وأسهم بدور محوري في دعم انقلاب عام 1970 الذي أوصل حافظ الأسد إلى السلطة، وأسّس لاحقاً لمرحلة حكم اتسمت بالقبضة الأمنية الصارمة.
وخلال السبعينيات، تعاظم نفوذ رفعت داخل مؤسسات الدولة، خصوصاً بعد تأسيس «سرايا الدفاع» عام 1971، وهي قوة عسكرية خاصة أوكلت إليها مهمة حماية النظام، وأصبح من خلالها الرجل الثاني فعلياً في هرم السلطة، والذراع الأمنية الأبرز لشقيقه.
«سرايا الدفاع» ومجزرة حماة 1982
في فبراير/شباط 1982، قاد رفعت الأسد، بصفته قائد «سرايا الدفاع»، الحملة العسكرية التي أخمدت تمرداً لجماعة الإخوان المسلمين في مدينة حماة.
وشاركت في العملية قوات قُدّر عددها بنحو 20 ألف جندي، واستخدمت خلالها المدفعية والقصف المكثف داخل المدينة. وتشير تقديرات حقوقية وتاريخية إلى مقتل ما بين 10 آلاف و40 ألف مدني، وتدمير أجزاء واسعة من المدينة القديمة.
وحمّلت تقارير قضائية أوروبية «سرايا الدفاع» المسؤولية الرئيسية عن عمليات القتل والتعذيب والاعتقال غير القانوني، وهو ما رسّخ صورة رفعت الأسد بوصفه أحد أكثر رموز العنف في تاريخ سوريا المعاصر.
ورغم ذلك، نفى رفعت في مقابلة تلفزيونية عام 2011 مسؤوليته عن المجزرة، واعتبر أن الاتهامات «رواية مفبركة»، محمّلاً شقيقه حافظ المسؤولية المباشرة عمّا جرى.
الصراع على الحكم ومحاولة الانقلاب الفاشلة
في أواخر عام 1983، ومع تدهور صحة حافظ الأسد، بدأت ملامح صراع خفي على السلطة داخل النظام. واستُبعد رفعت من لجنة مؤقتة لإدارة شؤون البلاد، ما دفعه إلى تحرك عسكري واسع في مارس/آذار 1984.
فرضت قواته، التي قُدّر عددها بأكثر من 55 ألف عنصر مدعومة بالدبابات والطائرات، سيطرتها على مواقع استراتيجية في دمشق، ونُشرت الحواجز واعتُقل جنود من الجيش النظامي، في مشهد أوحى بقرب اندلاع حرب داخل العاصمة.
غير أن مواجهة مباشرة بين الشقيقين أنهت الأزمة، ومع تعافي حافظ الأسد وعودة ولاء معظم القيادات العسكرية له، فشل تحرك رفعت، وأُجبر على القبول بتسوية أنهت نفوذه الفعلي.
المنفى الطويل وثروة مثيرة للجدل
بعد إقصائه، غادر رفعت الأسد سوريا إلى الاتحاد السوفيتي ثم استقر لاحقاً في فرنسا وإسبانيا، حاملاً معه ثروة ضخمة قُدّرت بمئات ملايين الدولارات، شملت أموالاً عامة وقروضاً خارجية، بينها قرض ليبي بقيمة 100 مليون دولار.
وخلال سنوات المنفى، لم يتخلَّ عن طموحه السياسي، وواصل تقديم نفسه بوصفه «البديل الشرعي» داخل العائلة الحاكمة، خصوصاً بعد وفاة حافظ الأسد عام 2000، عندما اعترض علناً على انتقال السلطة إلى بشار الأسد.
علاقة متقلبة مع بشار الأسد
اتسمت علاقة رفعت بابن شقيقه بشار بالتذبذب. ففي حين أبدى دعماً أولياً لوصوله إلى الحكم، سرعان ما تحول إلى ناقد لطريقة إدارته للبلاد، لا سيما بعد اندلاع الثورة السورية عام 2011، داعياً بشار إلى التنحي لتفادي حرب أهلية شاملة.
ورغم انتقاداته، عاد رفعت إلى سوريا عام 2021 بعد سماح رسمي، في خطوة ساعدته على تفادي تنفيذ أحكام قضائية صدرت بحقه في فرنسا بتهم الاحتيال وتبييض الأموال والاستيلاء على ممتلكات بملايين اليوروهات من المال العام.
السقوط القضائي والملفات الأوروبية
خلال العقد الأخير، واجه رفعت الأسد سلسلة ملاحقات قانونية في فرنسا وبريطانيا وإسبانيا وسويسرا، شملت:
- أحكاماً بالسجن ومصادرة ممتلكات تقدّر بأكثر من 100 مليون دولار
- تجميد أصول مالية وعقارية
- فتح تحقيقات بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية مرتبطة بأحداث حماة
وفي عام 2024، أعلنت سويسرا رسمياً نيتها محاكمته بتهمة إصدار أوامر بالقتل والتعذيب والاعتقال غير القانوني خلال أحداث 1982.
الهروب الأخير ونهاية المسار
عقب الإطاحة بنظام بشار الأسد عام 2024، حاول رفعت الفرار عبر قاعدة جوية روسية، إلا أنه مُنع من العبور، قبل أن يتمكن لاحقاً من الوصول إلى لبنان بطرق بدائية، وفق مصادر مطلعة.
وبرحيله، يُغلق فصل طويل من فصول الصراع داخل عائلة الأسد، لكن ملف حماة يبقى مفتوحاً في الذاكرة السورية، وفي سجلات العدالة الدولية، بوصفه أحد أكثر الملفات دموية وإثارة للجدل في تاريخ سوريا الحديث.
