
يُعد التقويم الهجري أحد أبرز الأنظمة الزمنية في التاريخ الإسلامي، إذ ارتبط منذ نشأته بالأحداث الكبرى التي شكّلت هوية الأمة الإسلامية. لكن كثيرين يعتقدون أن بداية هذا التقويم جاءت مع خلافة عمر بن الخطاب مباشرة، في حين تكشف المصادر التاريخية أن فكرة التأريخ لدى العرب سبقت الإسلام بقرون طويلة، وأن اعتماد الهجرة النبوية كنقطة انطلاق لحساب السنين جاء بعد نقاشات ومراحل تاريخية متعددة.
فكيف كان العرب يؤرخون قبل الإسلام؟ وما أبرز الأحداث التي اعتمدوا عليها في حساب الزمن؟ ولماذا اختار المسلمون الهجرة النبوية لتكون بداية التاريخ الإسلامي دون غيرها من الأحداث العظيمة؟
كيف كان الناس يؤرخون قبل ظهور التقويم الهجري؟
تشير المصادر الإسلامية إلى أن فكرة التأريخ ليست حديثة العهد، بل ارتبطت منذ القدم بالأحداث المفصلية التي غيّرت مجرى حياة البشر.
فقد ذكر الإمام جلال الدين السيوطي في كتابه «الشماريخ في علم التاريخ» أن البشر في بدايات تاريخهم كانوا يربطون السنوات بالأحداث العظيمة؛ إذ بدأ التأريخ – وفق الرواية الإسلامية – من هبوط آدم عليه السلام إلى الأرض، ثم أصبح بعث النبي نوح عليه السلام علامة زمنية جديدة، قبل أن يعتمد الناس حادثة الطوفان مرجعًا لحساب السنين.
كما ارتبطت مراحل لاحقة بأحداث بارزة، مثل نجاة النبي إبراهيم عليه السلام من النار، ثم بناء الكعبة المشرفة على يد إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام، وهي أحداث اعتبرها الناس آنذاك محطات تاريخية كبرى استحقّت أن تُتخذ بدايةً لحساب الأزمنة.
كيف كان العرب يحسبون السنوات في العصر الجاهلي؟
قبل ظهور الإسلام لم يكن للعرب تقويم موحد يبدأ من سنة محددة كما هو الحال اليوم، بل كانوا يربطون كل فترة زمنية بحدث كبير يبقى راسخًا في الذاكرة الجماعية.
ولهذا اشتهرت أسماء أعوام ارتبطت بحوادث بارزة، مثل عام الفيل الذي شهد محاولة أبرهة الحبشي هدم الكعبة المشرفة، وهو العام الذي وُلد فيه النبي محمد ﷺ وفق الرواية الإسلامية.
كما عُرفت أعوام أخرى مثل عام الفِجار الذي اندلعت فيه إحدى أشهر الحروب بين القبائل العربية، وعام العُذر الذي ارتبط بحادثة نهب قوافل كانت متجهة إلى مكة.
ويؤكد عدد من الباحثين أن اعتماد العرب على تسمية السنوات بالأحداث لا يعني أنهم كانوا يجهلون أنظمة التقويم، بل يرجحون أنهم عرفوا حساب الشهور القمرية واستفادوا من خبرات الأمم المجاورة، إلا أن نقطة البداية الموحدة للتأريخ لم تكن موجودة بعد.
ما الفرق بين التأريخ والتقويم؟
يفرق علماء اللغة بين مصطلحي التأريخ والتقويم، فالتأريخ يعني تحديد الزمن وربط الأحداث بتاريخ معين، بينما يشير التقويم إلى تنظيم الشهور والسنوات وفق نظام ثابت يضمن انتظام الفصول والمواسم.
ولهذا يرى بعض الباحثين أن العرب مارسوا التأريخ منذ زمن بعيد، في حين ظل مفهوم التقويم بمعناه المنظم يتطور تدريجيًا حتى استقر لاحقًا مع اعتماد التاريخ الهجري.
أحداث أصبحت علامات زمنية في التاريخ الإسلامي
استمر المسلمون بعد بعثة النبي محمد ﷺ في تسمية بعض السنوات بأحداثها الكبرى، ومن أشهرها عام الحزن الذي توفيت فيه السيدة خديجة رضي الله عنها وعم النبي أبو طالب، وهو الحدث الذي ترك أثرًا بالغًا في حياة الرسول ﷺ.
كما عُرفت السنة التاسعة للهجرة باسم عام الوفود بسبب قدوم وفود القبائل العربية إلى المدينة المنورة لإعلان إسلامها بعد فتح مكة، وهو ما مثّل مرحلة مهمة في انتشار الدولة الإسلامية وتوسعها.
