
في 31 أكتوبر/تشرين الأول 1955 أعلنت الأميرة مارغريت، شقيقة الملكة إليزابيث الثانية، فسخ خطبتها من الضابط الطيار وقائد السرب الجوي بيتر تاونسند، لتنتهي واحدة من أشهر قصص الحب الملكية في بريطانيا خلال القرن العشرين.
بدا للعامة آنذاك أن الأميرة وُضعت أمام خيار قاسٍ: إما الحب أو اللقب الملكي. لكن الوثائق التي كُشف عنها لاحقاً أوضحت أن الصورة لم تكن بهذه الحدّة، وأن الأميرة كان أمامها مسار وسط لم يُروَ كثيراً.
من هو بيتر تاونسند؟
كان تاونسند بطلاً حربياً حقيقياً في سلاح الجو الملكي خلال الحرب العالمية الثانية. وُلد عام 1914، وشارك في معركة بريطانيا، وأسقط أول قاذفة ألمانية على الأراضي الإنجليزية. رُوي عنه أنه زار أحد الطيارين الألمان الجرحى في المستشفى بعد إسقاط طائرته، قائلاً: “في الجو لسنا أعداء حقيقيين، نحن بشر”. هذه الخلفية الإنسانية، إلى جانب وسامته وانضباطه العسكري، جعلته شخصية محببة داخل البلاط الملكي.
بعد الحرب، عُيّن مرافقاً عسكرياً للملك جورج السادس، فصار قريباً من العائلة المالكة، يعيش داخل أراضي القصر ويشارك في المناسبات الرسمية. وهناك، تعرّفت إليه الأميرة مارغريت الشابة خلال جولة العائلة إلى جنوب أفريقيا عام 1947، وكانت في السابعة عشرة بينما كان هو في الثالثة والثلاثين ومتزوجًا وأبًا لطفلين.
بداية علاقة سرّية تحت عيون القصر
مع مطلع الخمسينيات، كانت العلاقة بين الأميرة مارغريت وتاونسند قد تطورت إلى انسجام واضح، لكنها ظلت غير معلنة بسبب حساسية موقع الأميرة، وكون تاونسند مطلقًا لاحقًا. شهادة صديقات الأميرة تؤكد أن العلاقة كانت رومانسية هادئة أكثر منها فضيحة ملكية. لكن في تتويج الملكة إليزابيث عام 1953، التقطت الصحافة لحظة عفوية حين أزالت مارغريت وبرة عن سترة تاونسند، فاشتعلت الشائعات.
في تلك الأثناء، كان تاونسند قد تقدّم لخطبة الأميرة بعد طلاقه، لكن المشكلة لم تكن شخصية بل مؤسسية: الأميرة هي شقيقة الملكة ورقم متقدم في ترتيب وراثة العرش، وهو رجل مطلق، والكنيسة الإنجليزية – التي ترأسها الملكة – كانت متشددة تجاه الزواج من مطلّق.
القيود القانونية والتقاليد الدينية
وفق قانون الزيجات الملكية لعام 1772، لم يكن يُسمح لأفراد العائلة المالكة بالزواج دون موافقة الملك/الملكة قبل بلوغ الخامسة والعشرين. مارغريت كانت لم تبلغ هذا السن بعد، وبالتالي كان عليها إما انتظار إتمام الخامسة والعشرين وطلب موافقة البرلمان، أو العدول عن الزواج.
إلى جانب القانون، كان هناك عامل تقليدي مهم: الطلاق كان كلمة محرّمة داخل العائلة المالكة في الخمسينيات. كبار موظفي القصر، وعلى رأسهم السكرتير الخاص للملكة السير ألان لاسلز، رأوا أن زواج أميرة من رجل مطلق يذكّر بأزمة 1936 حين تنازل الملك إدوارد الثامن عن العرش ليتزوج من الأمريكية المطلّقة والِس سيمبسون. ولذلك نُصح تاونسند بالمغادرة.
نفيٌ دبلوماسي إلى بروكسل
حُلّت المشكلة بطريقتهم الهادئة: أُرسل بيتر تاونسند عامين إلى بروكسل بصفة ملحق جوي، في ما يشبه الإبعاد المؤدب. كان الهدف إعطاء الوقت للأجواء كي تهدأ، وربما لتتراجع الأميرة عن رغبتها. لكن المفاجأة أن الطرفين واصلا تبادل الرسائل يوميًا، ما يعني أن العلاقة العاطفية لم تنقطع رغم البعد.
وفي 21 أغسطس/آب 1955 بلغت الأميرة مارغريت الخامسة والعشرين، فأصبحت – قانونًا – قادرة على الزواج ممن تشاء، لكن ذلك كان سيكلّفها ثمنًا كبيرًا: التنازل عن حقها في خلافة العرش، وفقدان لقب “صاحبة السمو الملكي”، والتخلي عن المخصصات المالية الملكية، والخروج من دائرة العائلة المالكة العاملة.
بيان 31 أكتوبر: الحب أمام الكنيسة والتاج
عندما عاد تاونسند إلى لندن في أكتوبر/تشرين الأول 1955، وجد نفسه مع الأميرة تحت ضغط إعلامي غير مسبوق. عشرات الصحفيين أحاطوا بمقر إقامته، والعالم ينتظر: هل تتزوج الأميرة؟
لكن في 31 أكتوبر قطعت الأميرة مارغريت الشكّ، وبُثّ بيانها عبر الإذاعة البريطانية تقول فيه إنها كانت قادرة على الزواج مدنيًا لو تخلت عن حقوقها، لكنها اختارت أن تقدّم واجبها تجاه التاج وتعاليم الكنيسة على رغبتها الشخصية.
ظهر البيان في حينه وكأنه دليل على أنها ضحّت بحب حياتها من أجل بريطانيا والكنيسة. لكن الوثائق التي أُفرج عنها بعد وفاتها عام 2002، والتي اطّلع عليها مؤرخو “بي بي سي” عام 2004، كشفت أن هناك خيارًا وسطًا كان مطروحًا: كان يمكنها أن تحتفظ بلقبها الملكي ومخصصاتها شرطين فقط:
- التنازل عن حقها في وراثة العرش.
- عقد الزواج مدنيًا خارج الكنيسة.
هذا يعني أن قرارها لم يكن مفروضًا بالكامل كما صُوّر لاحقًا، بل كان فيه قدر من الاختيار الشخصي وربما من التردد.
لماذا عدلت الأميرة عن الزواج؟
بعض المراقبين، ومنهم مراسل الشؤون الملكية في “بي بي سي” بول رينولدز، أشاروا لاحقًا إلى أن رسائل الأميرة نفسها إلى رئيس الوزراء آنذاك أنتوني إيدن تُظهر أنها كانت تريد أن ترى تاونسند مرة أخرى قبل أن تحسم أمرها، وكأن ثمة سؤالاً داخلها: هل ما زال هذا الحب يستحق التضحية بكل شيء؟
أما تاونسند نفسه فقال في مقابلة عام 1978 إنه مقتنع بأن الأميرة اتخذت القرار الصحيح، لأنها كانت ستخسر “كل شيء تقريبًا”، وأنه لم يكن ليعوّض تلك الخسارة.
ما بعد القصة: طريقان مختلفان
بعد طيّ صفحة الحب الملكي، عاد بيتر تاونسند إلى بلجيكا وتزوج من شابة بلجيكية ثرية.
أما الأميرة مارغريت فتزوجت عام 1960 من المصوّر أنطوني أرمسترونغ جونز الذي مُنح لقب إيرل سنودون. بدا الزواج في بدايته عصريًا ومميزًا، لكنه انتهى بالطلاق عام 1978، لتصبح مارغريت أول فرد من العائلة المالكة البريطانية يطلق منذ عهد الملك هنري الثامن.
ورغم انتهاء القصة، بقي الود بينهما. حين سُئل تاونسند بعد عقود عما لو دخلت الأميرة الغرفة فجأة، قال ببساطة: “سأكون سعيدًا برؤيتها، وأظن أنها ستكون سعيدة برؤيتي”.
دلالة القصة في التاريخ الملكي البريطاني
قصة الأميرة مارغريت وبيتر تاونسند ليست مجرد حكاية رومانسية فاشلة، بل هي مرآة للتوتر الدائم بين التقاليد الملكية والاختيارات الشخصية. جاءت في زمن كانت فيه العائلة المالكة تحاول أن تبقى نموذجًا محافظًا بعد صدمة تنازل إدوارد الثامن عن العرش. لذلك لم يكن زواج أميرة من مطلق مجرد شأن عاطفي، بل مسألة تتعلق بصورة التاج نفسه.
كما تكشف الوثائق أن المؤسسة الملكية لم تكن دائمًا متصلبة كما يعتقد الناس، بل كانت تبحث أحيانًا عن حلول وسط تحفظ هيبة التاج وتراعي رغبات أفراده، لكن القرار النهائي كان – غالبًا – بيد الشخص المعني، وفي هذه الحالة اختارت الأميرة مارغريت التاج على الحب.
