
في تطور لافت، كشفت مصادر مطلعة لوكالة “رويترز” أن الدعم المالي والعسكري الأمريكي للأردن يشهد عودة قوية بعد تخفيضات واسعة نفذها الرئيس السابق دونالد ترامب في يناير 2020. هذه العودة تُبرز الأهمية الاستراتيجية للأردن في الحسابات الجيوسياسية الأمريكية، خاصة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وحاجة المنطقة إلى شريك مستقر.
خلفية: كيف أثر قرار ترامب على الأردن؟
في مطلع عام 2020، قرر ترامب خفض المساعدات الخارجية بشكل عام، بما في ذلك تقليل التمويل المخصص للأردن، أحد أكبر المستفيدين من الدعم الأمريكي. هذا القرار أثار قلقًا واسعًا في عمّان، حيث يعتمد الاقتصاد الهش على نحو 1.45 مليار دولار سنويًا من الولايات المتحدة، تشمل مساعدات عسكرية ومدنية. كما توقفت مشاريع حيوية، مثل مشروع تحلية المياه بين العقبة وعمان (بقيمة 6 مليارات دولار)، ما أثار تساؤلات حول التزام واشنطن بتعزيز استقرار المملكة.
التحول الجديد: عودة المساعدات وضمان الشراكة الاستراتيجية
وفق مصادر أمريكية وأردنية، أكدت الإدارة الأمريكية للأردن أن المساعدات العسكرية المباشرة (حوالي 650 مليون دولار سنويًا) لن تتأثر، مشيرة إلى دور الأردن المحوري في مكافحة الإرهاب وضمان أمن الخليج. كما تم استئناف تمويل مشروع تحلية المياه في مارس 2021، عبر دفعات لشركة CDM Smith، مما يعكس أولوية المشروع في استراتيجية المياه الوطنية.
النقاط الرئيسية في التحول:
- الالتزام بالشراكة الاستراتيجية:
وقعت البلدين في 2022 اتفاقًا استراتيجيًا مدته 7 سنوات، يضمن استمرار الدعم المباشر للميزانية (800 مليون دولار سنويًا) حتى 2028. هذا الاتفاق يُعد ضمانة لتمويل الرواتب ودعم البنية التحتية. - رفض استخدام المساعدات كورقة ضغط سياسي:
كشف مسؤولون أن ترامب أكد للملك عبد الله الثاني خلال لقاء فبراير 2020 أن “المساعدات لن تكون وسيلة للضغط السياسي”، مما يعزز الثقة بين البلدين. - التركيز على الأمن القومي الأمريكي:
أشار مساعدو البيت الأبيض إلى أن استقرار الأردن “مهمة وطنية” للولايات المتحدة، نظرًا لدوره في احتواء النفوذ الإيراني ودعم حل الدولتين للقضية الفلسطينية.
التحديات الاقتصادية: هل سيُخفف الدعم من الأعباء المالية؟
رغم عودة بعض المساعدات، تظل المنح التنموية البالغة 430 مليون دولار (للمشاريع التعليمية والصحية) مجمدة، مما يزيد الضغوط على ميزانية الأردن التي تبلغ 18 مليار دولار سنويًا. وحذر وزير التخطيط السابق وسام الربضي من أن خسارة 800 مليون دولار من الدعم المباشر ستُفاقم العجز المالي (البالغ 3.8% من الناتج المحلي) وتدفع الدين العام نحو 110% من الناتج المحلي.
لكن عمّان تعمل على تنويع مصادر التمويل، حيث أطلقت مفاوضات مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض بقيمة 750 مليون دولار، بجانب حزم مالية من الاتحاد الأوروبي (3 مليارات يورو) والبنك الدولي (1.1 مليار دولار).
الرهان على المشاريع الحيوية: مشروع المياه نموذجًا
يُعد مشروع تحلية المياه بين العقبة وعمان الحل الاستراتيجي لأزمة المياه في الأردن، الذي يعاني من ندرة شديدة في الموارد المتجددة. يهدف المشروع إلى توفير 300 مليون متر مكعب من المياه سنويًا، وهو يُمول عبر شراكة بين الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) والبنك الدولي. استئناف التمويل الأمريكي لهذا المشروع يُظهر أولوية الأمن الإنساني في الاستراتيجية الأمريكية.
الصورة الأكبر: الأردن في المعادلة الجيوسياسية
تحاول واشنطن الموازنة بين خفض الإنفاق ودعم الحلفاء الرئيسيين. الأردن، الذي يُعتبر “جسرًا للسلام” في منطقة مضطربة، يظل ركيزة أساسية في هذه المعادلة. وتشير التصريحات الرسمية من وزارة الخارجية الأمريكية إلى أن “الشراكة مع الأردن تُبنى على المصالح المشتركة في الأمن الإقليمي”، وهو موقف يُرجح استمرار الدعم حتى مع تغييرات الإدارات.
الخاتمة: مستقبل العلاقة بين الأمل والتحديات
بينما تُعيد المساعدات الأمريكية تشكيل المشهد الاقتصادي والأمني في الأردن، تظل التحديات كبيرة: من تقليل الاعتماد على الخارج إلى معالجة البطالة (البالغة 24%). لكن مع عودة الدعم وتعزيز الشراكات متعددة الأطراف، قد يجد الأردن نفسه في مرحلة جديدة من الاستقرار النسبي، بشرط أن تُترجم هذه الدعم إلى إصلاحات هيكلية حقيقية.
السؤال المفتوح: هل ستنجح الشراكة الاستراتيجية بين الأردن والولايات المتحدة في تحويل المساعدات إلى منصة للتنمية المستدامة، أم ستظل تُستخدم كأداة للإدارة المؤقتة للأزمات؟
إعداد: فريق تحليل السياسات – مركز الأبحاث الإقليمية
المصدر: تقارير “رويترز”، بيانات رسمية من وزارة الخارجية الأمريكية والحكومة الأردنية.
