
تحولت تجربة شخصية قاسية عاشها الشاب المصري مارك مراد بعد فقدان بصره إلى مشروع تقني يهدف إلى مساعدة المكفوفين وضعاف البصر على فهم العالم المحيط بهم بصورة أكثر استقلالية، من خلال تطبيق «سكرايب مي» (ScribeMe) الذي يوظف تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحويل المشاهد والعناصر المرئية إلى أوصاف صوتية.
وبحسب تصريحات مارك مراد لـ«العربية/الحدث»، توسع المشروع الذي بدأ كحل لمشكلة واجهها بنفسه، حتى أصبح التطبيق مستخدمًا في 140 دولة حول العالم، في تجربة تجمع بين الذكاء الاصطناعي والتقنيات المساعدة لذوي الإعاقة البصرية.
ما هو تطبيق سكرايب مي ScribeMe؟
«سكرايب مي» هو تطبيق ذكي صُمم لمساعدة الأشخاص المكفوفين وضعاف البصر على التعرف على المحتوى المرئي المحيط بهم باستخدام كاميرا الهاتف وتقنيات الذكاء الاصطناعي.
وتقوم فكرة التطبيق على تحليل ما تلتقطه الكاميرا، ثم تحويل المعلومات المرئية إلى وصف صوتي يمكن للمستخدم الاستماع إليه وفهم ما يوجد أمامه دون الاعتماد المستمر على مساعدة شخص آخر.
ولا تقتصر إمكانات التطبيق على التعرف على الأشياء الموجودة في المكان، بل تمتد إلى التعامل مع أنواع مختلفة من المحتوى، من بينها النصوص والصور والرسومات والمخططات البيانية والعناصر المحيطة بالمستخدم.
وتهدف هذه الإمكانات إلى منح فاقدي البصر مستوى أكبر من الاستقلالية في الدراسة والحياة اليومية والتعامل مع المعلومات التي تعتمد بصورة أساسية على الرؤية.
كيف يستخدم سكرايب مي الذكاء الاصطناعي لمساعدة المكفوفين؟
يعتمد التطبيق على توظيف الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات المرئية القادمة من الكاميرا، قبل تحويلها إلى معلومات يمكن إيصالها إلى المستخدم صوتيًا.
فعوضًا عن الحاجة إلى سؤال شخص آخر عما تحتويه صورة أو رسم أو ما يوجد في المكان، يستطيع المستخدم الاستفادة من التطبيق للحصول على وصف للمحتوى الموجود أمامه.
وتبرز أهمية هذه التقنية بصورة خاصة في المواقف التي يصعب فيها على قارئات الشاشة التقليدية التعامل مع المحتوى، مثل الرسومات والأشكال والصور والمخططات والمعلومات البصرية المعقدة.
دمج سكرايب مي مع نظارات ميتا الذكية
ولم تتوقف الفكرة عند استخدام كاميرا الهاتف، إذ عمل مارك على دمج «سكرايب مي» مع النظارات الذكية من ميتا، في خطوة تهدف إلى جعل الوصول إلى المعلومات المحيطة بالمستخدم أكثر سهولة وطبيعية.
ومن خلال كاميرا النظارة، يمكن للنظام تحليل ما يوجد أمام المستخدم وتقديم وصف صوتي للمشاهد والعناصر المحيطة، بما في ذلك الأشخاص والأماكن والأشياء.
ويمنح هذا الأسلوب المستخدم تجربة أقرب إلى وجود مساعد بصري ذكي قادر على وصف البيئة المحيطة دون الحاجة إلى الإمساك بالهاتف في كل مرة.
قصة مارك مراد.. فقدان البصر كان بداية الفكرة
بدأت رحلة مارك مراد مع فقدان البصر في سن مبكرة. ووفقًا لروايته لـ«العربية/الحدث»، ظهرت لديه مشكلات في النظر عندما كان في الحادية عشرة من عمره.
وفي البداية لم يكن يتوقع أن تتطور حالته إلى فقدان البصر، إلا أن ضعف النظر استمر بصورة تدريجية، بالتزامن مع متابعة حالته لدى أطباء داخل مصر وخارجها.
وفي النهاية، أخبره الأطباء بأنه سيفقد بصره، وهو ما حدث بالفعل عندما كان في الصف الأول الثانوي.
هذه التجربة غيّرت الكثير من تفاصيل حياته، لكنها أصبحت لاحقًا الشرارة التي قادته إلى التفكير في استخدام التكنولوجيا للتعامل مع التحديات التي يواجهها المكفوفون.
حلم دراسة الهندسة يقود إلى البحث عن حل تقني
بعد فقدان بصره، واجه مارك صعوبات في الدراسة، خاصة عند التعامل مع المعلومات التي تحتاج إلى شرح بصري.
وكان يحتاج في بعض الأحيان إلى مساعدة الآخرين لفهم تفاصيل لا تستطيع الكتب أو الأدوات المتاحة نقلها إليه بصورة كافية.
وفي الوقت نفسه، كان يحلم بالالتحاق بكلية الهندسة، وهو ما وضع أمامه تحديًا إضافيًا؛ إذ تعتمد الكثير من المواد الهندسية على الرسومات والأشكال والمخططات والتصور البصري.
ومن هنا ظهر سؤال كان له دور أساسي في ولادة المشروع: كيف يمكن لشخص فاقد للبصر فهم الرسومات والمعلومات المرئية دون وجود شخص بجواره طوال الوقت؟
من مشكلة شخصية إلى حل بالذكاء الاصطناعي
بدأ مارك البحث عن تقنيات يمكنها مساعدته على فهم المحتوى الذي يراه الآخرون، لكنه لم يجد في البداية الحل الذي يلبي احتياجاته بالشكل المطلوب.
لذلك اتجه إلى تطوير فكرته الخاصة، مستفيدًا من التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لبناء أداة تستطيع تحليل المحتوى المرئي وتحويله إلى وصف صوتي.
ومن هنا بدأت رحلة تطوير ScribeMe، لتتحول المشكلة التي واجهها في حياته ودراسته إلى فكرة تستهدف مساعدة عدد أكبر من الأشخاص الذين يعيشون تحديات مشابهة.
سكرايب مي يتحول من فكرة إلى شركة
مع تطور المشروع، انتقل «سكرايب مي» من كونه تجربة تقنية إلى مشروع أكثر تنظيمًا.
وشارك مارك وفريقه في مسابقات وفعاليات دولية، من بينها مسابقة في ألمانيا، قال إن فريقه تمكن خلالها من الوصول إلى أفضل 5 فرق من بين 150 فريقًا مشاركًا.
وساعدت هذه التجارب في توسيع المشروع وتكوين فريق يعمل على تطوير التقنية، قبل أن يصل المشروع إلى مرحلة تأسيس شركة في إسبانيا.
وبحسب مارك، اتسع نطاق استخدام التطبيق بمرور الوقت حتى أصبح لديه مستخدمون في 140 دولة حول العالم.
شقيقة مارك تساعد في اختبار وتطوير التطبيق
لم تعتمد عملية تطوير «سكرايب مي» على الجانب البرمجي فقط، بل لعبت تجربة المستخدمين الفعلية دورًا مهمًا في تحسين المشروع.
وكانت شقيقة مارك الصغرى، التي تعرضت هي الأخرى لفقدان البصر، من أبرز المشاركين في اختبار التطبيق.
وساهم استخدامها للتقنية في مساعدة مارك وفريقه على التعرف بصورة مباشرة على الاحتياجات والتحديات التي قد يواجهها الشخص فاقد البصر أثناء استخدام مثل هذه الأدوات.
«شعرت أن بصري عاد».. لحظة صنعت فارقًا
ومن المواقف التي تركت أثرًا كبيرًا لدى مارك تجربة شقيقته للتطبيق خلال رحلة سفاري.
فبينما كان «سكرايب مي» يصف لها المشاهد والتفاصيل الموجودة أمامها، عبّرت عن تأثير التجربة عليها بقولها إنها شعرت وكأن بصرها عاد إليها.
وبالنسبة لمارك، تحولت تلك اللحظة إلى أحد الدوافع لمواصلة تطوير المشروع؛ إذ لم تعد التقنية مجرد محاولة للتغلب على تحدٍ شخصي، وإنما أصبحت وسيلة قد تساعد آخرين على زيادة استقلاليتهم والوصول إلى معلومات كان إدراكها يتطلب في السابق مساعدة شخص مبصر.
الذكاء الاصطناعي والتقنيات المساعدة يفتحان آفاقًا جديدة
تسلط تجربة «سكرايب مي» الضوء على أحد الاستخدامات العملية المهمة للذكاء الاصطناعي، بعيدًا عن تطبيقاته الأكثر انتشارًا في إنشاء النصوص والصور والفيديو.
فالقدرة على تحويل العالم المرئي إلى معلومات صوتية مفهومة يمكن أن تجعل الذكاء الاصطناعي جزءًا مهمًا من تقنيات الوصول ومساعدة المكفوفين وضعاف البصر.
ومع استمرار تطور نماذج الرؤية الحاسوبية والذكاء الاصطناعي التوليدي والأجهزة القابلة للارتداء، قد تصبح هذه التقنيات أكثر قدرة على وصف البيئات المعقدة وفهم النصوص والرسومات والتفاعل مع المستخدم بصورة لحظية، بما يعزز فرص الاستقلالية والوصول الرقمي للأشخاص ذوي الإعاقة البصرية.
أسئلة شائعة حول تطبيق سكرايب مي
ما هو تطبيق سكرايب مي؟
«سكرايب مي» تطبيق يعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل المحتوى المرئي وتحويله إلى وصف صوتي لمساعدة المكفوفين وضعاف البصر على فهم ما يحيط بهم.
من هو مطور تطبيق ScribeMe؟
يقف وراء المشروع الشاب المصري مارك مراد، الذي بدأ تطوير الفكرة انطلاقًا من تجربته الشخصية بعد فقدان بصره.
ماذا يستطيع تطبيق سكرايب مي التعرف عليه؟
بحسب المعلومات التي كشف عنها مطوره، يستطيع التطبيق التعامل مع أنواع مختلفة من المحتوى المرئي، مثل النصوص والصور والرسومات والمخططات والعناصر الموجودة في البيئة المحيطة.
هل يعمل سكرايب مي مع النظارات الذكية؟
جرى دمج التقنية مع نظارات ميتا الذكية للاستفادة من الكاميرا في التقاط ما يوجد أمام المستخدم وتحويله إلى وصف صوتي.
في كم دولة يُستخدم تطبيق سكرايب مي؟
وفقًا لتصريحات مارك مراد المنشورة في أغسطس 2026، وصل مستخدمو التطبيق إلى 140 دولة حول العالم.
