
عاد ملف البرنامج النووي السوري إلى الواجهة مجدداً، بعد إعلان هيئة الطاقة الذرية السورية استمرار تعاون دمشق مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية والولايات المتحدة ودول أخرى لمعالجة الملفات التي ورثتها عن النظام السابق، بالتزامن مع تقارير أميركية عن ترتيبات لإزالة مواد نووية من منشأة سرية تُعرف باسم «الموقع 99».
وتستعد سوريا لاستقبال وفد من الوكالة الدولية للطاقة الذرية خلال الأيام المقبلة، وسط اهتمام متزايد بمصير المواقع والمواد المرتبطة بأنشطة نووية سورية سابقة، وفي مقدمتها مفاعل الكِبر والمنشآت التي قيل إنها استخدمت لاحقاً لتخزين مواد مرتبطة بالمشروع.
سوريا تعزز تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية
وأكدت هيئة الطاقة الذرية السورية استمرار ما وصفته بالتعاون الشفاف والوثيق مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إلى جانب الولايات المتحدة ودول أخرى، بهدف معالجة الملفات النووية التي خلفها النظام السابق.
وقالت الهيئة إن دمشق تعمل كذلك على تفعيل عضويتها الكاملة في الوكالة الدولية ودعم استخدام التطبيقات النووية السلمية في مجالات الصحة والغذاء والبحث العلمي.
وأضافت أن سوريا أحرزت، منذ سقوط نظام بشار الأسد، تقدماً في هذا الملف اعتماداً على قدراتها الوطنية، لكنها أشارت إلى محدودية الإمكانيات التقنية المتاحة والحاجة إلى دعم دولي أكبر.
وطالبت الهيئة بتشكيل لجنة دولية متخصصة لتوفير المساندة الفنية والقانونية اللازمة، بما يضمن استكمال الإجراءات المرتبطة بالملف النووي وفق المعايير الدولية.
كما أعلنت استعدادها لاستقبال وفد من الوكالة الدولية للطاقة الذرية خلال الأيام المقبلة، على أن يتم الإعلان بصورة مشتركة عن التطورات التي جرى تحقيقها.
ما هو «الموقع 99» النووي في سوريا؟
تزامن الإعلان السوري مع تقرير نشره موقع «Axios»، قال فيه إن الولايات المتحدة ساهمت في التوصل إلى تفاهمات تسمح للوكالة الدولية للطاقة الذرية بالتعامل مع مواد نووية مخزنة في موقع سري داخل سوريا يُعرف باسم «الموقع 99».
وبحسب مسؤولين أميركيين وإسرائيليين تحدثوا للموقع، فإن المنشأة كانت مرتبطة بالبرنامج النووي السوري السابق الذي تمحور حول مفاعل الكِبر.
وتشير الرواية التي أوردها التقرير إلى أن «الموقع 99» كان من بين المنشآت التي خضعت لمراقبة إسرائيلية مكثفة خلال الفترة الماضية، وسط مخاوف بشأن المواد المخزنة داخله ومستقبل التعامل معها بعد سقوط النظام السابق.
ما المواد النووية الموجودة في «الموقع 99»؟
وفقاً لتقرير Axios، تضمنت المواد المخزنة في الموقع ما يُعرف بـ«الكعكة الصفراء»، وهي مادة مركزة تُستخرج من خام اليورانيوم وتشكل إحدى المراحل الأولية في دورة الوقود النووي.
كما تحدث مسؤول أميركي للموقع عن وجود بقايا ومواد أخرى مرتبطة بمشروع مفاعل الكِبر داخل المنشأة.
وأشار التقرير إلى أن المواد الموجودة في الموقع لا يمكن استخدامها مباشرة في تصنيع سلاح نووي، لكنه ذكر أن بعض المواد المشعة قد تشكل خطراً أمنياً في حال إساءة استخدامها.
ومن بين السيناريوهات التي أثيرت إمكانية استخدام مواد مشعة في ما يُعرف بـ«القنبلة القذرة»، وهي عبوة تقليدية هدفها نشر التلوث الإشعاعي وليست سلاحاً نووياً بالمعنى التقليدي.
مفاعل الكِبر والبرنامج النووي السوري
يرتبط ملف «الموقع 99» بمفاعل الكِبر الذي كان يقع في محافظة دير الزور شرقي سوريا، والذي قصفته إسرائيل عام 2007.
واتهمت الوكالة الدولية للطاقة الذرية سوريا في سنوات لاحقة بعدم تقديم تفسيرات كافية بشأن طبيعة الموقع، فيما ظلت القضية جزءاً من الملفات العالقة بين دمشق والوكالة الدولية.
وبحسب Axios، فإن تدمير المفاعل أدى إلى إنهاء الجزء الأكبر من البرنامج النووي السري السابق، إلا أن عدداً من مواقع البحث والتطوير والتخزين بقي قائماً بعد ذلك.
ومع تغير السلطة في سوريا، بدأت الوكالة الدولية للطاقة الذرية مرحلة جديدة من التعاون مع دمشق لفحص عدد من المواقع المرتبطة بالنشاط النووي السابق ومعالجة المسائل العالقة.
تفاهمات أميركية لإزالة المواد النووية
ذكر التقرير الأميركي أن واشنطن والوكالة الدولية للطاقة الذرية دخلتا في اتصالات مكثفة بهدف الوصول إلى حل دبلوماسي يسمح بتأمين المواد الموجودة في الموقع ومنع تحول الملف إلى مصدر توتر إقليمي جديد.
وبحسب Axios، ناقشت الولايات المتحدة وإسرائيل لأكثر من عام كيفية التعامل مع «الموقع 99»، قبل التوصل إلى قناعة بأن الحل الأنسب يتمثل في الحصول على موافقة الحكومة السورية على إزالة المواد تحت إشراف دولي.
وأضاف التقرير أن اتفاقاً جرى التوصل إليه بين الوكالة الدولية للطاقة الذرية والحكومة السورية قبل أسابيع، يتضمن إزالة المواد النووية من الموقع.
ولم تكن عملية الإزالة قد اكتملت وقت نشر التقرير، إذ قال مسؤولون أميركيون إن العمل لا يزال جارياً وإن الهدف هو بدء العملية وإنهاؤها قبل نهاية عام 2026.
لماذا هددت إسرائيل بقصف «الموقع 99»؟
بحسب رواية مسؤولين إسرائيليين نقلها Axios، أبلغت إسرائيل الولايات المتحدة بأنها لا ترغب في بقاء المواد النووية داخل الموقع لفترة طويلة.
وأشار التقرير إلى أن تل أبيب لوحت بإمكانية استهداف المنشأة مجدداً في حال عدم إزالة المواد أو ظهور مؤشرات على محاولة الوصول إليها.
لكن مسؤولاً أميركياً أوضح للموقع أن إسرائيل، رغم مخاوفها، لم تكن على وشك تنفيذ ضربة جديدة في ذلك الوقت.
كما قال مسؤولون إسرائيليون إن الجيش الإسرائيلي سبق أن استهدف مداخل الموقع بعد سقوط نظام الأسد بهدف منع الوصول إلى المواد المخزنة داخله.
تحركات قرب الموقع أثارت مخاوف إسرائيلية
ووفق Axios، رصدت إسرائيل قبل عدة أسابيع تحركات في المنطقة المحيطة بالمنشأة، ما أثار شكوكاً لديها بشأن احتمال محاولة الوصول إلى المواد النووية.
وامتدت المخاوف الإسرائيلية، بحسب التقرير، إلى احتمال وجود دور تركي في مساعدة الحكومة السورية الجديدة، إلا أن التقرير لم يقدم دليلاً علنياً يثبت حدوث ذلك.
وطلبت الإدارة الأميركية من إسرائيل عدم اتخاذ إجراء عسكري، واتجهت بدلاً من ذلك إلى إشراك الوكالة الدولية للطاقة الذرية في معالجة القضية عبر المسار الدبلوماسي.
ماذا تريد سوريا من التعاون النووي الدولي؟
لا يقتصر التعاون السوري مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية على معالجة الملفات المرتبطة بالنظام السابق.
فالهيئة السورية تقول إنها تسعى أيضاً للاستفادة من التطبيقات السلمية للطاقة النووية في مجالات الطب وإنتاج الغذاء والبحث العلمي، إضافة إلى تطوير قدراتها الفنية والتقنية.
وتعود هيئة الطاقة الذرية السورية إلى عام 1976، وهي الجهة الحكومية المسؤولة عن شؤون الطاقة الذرية وتطبيقاتها السلمية داخل البلاد.
وتؤكد دمشق حالياً حاجتها إلى دعم تقني وقانوني دولي لمساعدتها على تسوية الملفات القديمة وبناء إطار أكثر شفافية للتعاون مع المؤسسات النووية الدولية.
ماذا يعني ملف «الموقع 99» لمستقبل سوريا؟
يمثل ملف «الموقع 99» أحد أكثر الملفات حساسية التي تواجه سوريا في علاقتها مع المجتمع الدولي، نظراً لارتباطه بالانتشار النووي والأمن الإقليمي والعلاقات مع الولايات المتحدة وإسرائيل والوكالة الدولية للطاقة الذرية.
كما أن نجاح دمشق في إنهاء القضايا المتعلقة بالمواقع النووية السابقة قد يساعدها في إغلاق ملفات ظلت عالقة لسنوات، ويدعم مساعيها لتعزيز تعاونها مع المؤسسات الدولية.
وفي المقابل، سيبقى مصير المواد الموجودة في «الموقع 99» موضع متابعة إلى حين إعلان الوكالة الدولية للطاقة الذرية بصورة رسمية اكتمال عملية تأمينها أو إزالتها من الموقع.
