
مع تجدد تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن رغبته في “امتلاك” غرينلاند لأسباب تتعلق بالأمن القومي، عاد المؤرخون إلى استحضار سجل الولايات المتحدة الطويل في شراء الأراضي والتوسع الجغرافي.
ويشير المؤرخ جاي سيكستون، من جامعة ميسوري، إلى أن واشنطن اعتادت تبرير توسعها بحجة منع وقوع الأراضي في أيدي قوى منافسة — وهو منطق يتكرر اليوم في سياق الحديث عن غرينلاند، الإقليم الدنماركي شبه المستقل في القطب الشمالي.
وبينما يؤكد ترامب تفضيله “المفاوضات الفورية” بدلاً من القوة، فإن التاريخ الأمريكي يُظهر أن كثيراً من صفقات الأراضي ارتبطت بصراعات جيوسياسية أو ضغوط عسكرية مباشرة.
فيما يلي أبرز محطات شراء الأراضي في تاريخ الولايات المتحدة خلال القرنين الماضيين.
1️⃣ شراء لويزيانا (1803): الصفقة التي ضاعفت مساحة أمريكا
شكل قرار الرئيس الأمريكي توماس جيفرسون بشراء إقليم لويزيانا من نابليون بونابرت عام 1803 نقطة تحول كبرى في التاريخ الأمريكي.
- 📍 المساحة: أكثر من 2 مليون كيلومتر مربع
- 💰 السعر: 15 مليون دولار (أكثر من 400 مليون بقيمة اليوم)
- 📈 النتيجة: تضاعفت مساحة الولايات المتحدة تقريباً
كانت لويزيانا آنذاك أكبر ممتلكات فرنسا في أمريكا الشمالية، وتمتد من نهر المسيسيبي حتى جبال الروكي، وتشمل أراضي 15 ولاية أمريكية حالياً.
دوافع البيع الفرنسية ارتبطت بالثورات في هايتي وخطر المواجهة مع بريطانيا، بينما رأى جيفرسون في الصفقة مفتاحاً لتحقيق حلم التوسع غرباً.
2️⃣ التنازل المكسيكي (1848): توسع تحت وطأة الحرب

في أربعينيات القرن التاسع عشر، ساد مفهوم “القدر الواضح” الذي اعتبر أن التوسع غرباً حق طبيعي للولايات المتحدة.
خلال رئاسة جيمس ك. بولك اندلعت الحرب الأمريكية المكسيكية، وانتهت بتوقيع معاهدة غوادالوبي هيدالغو عام 1848.
- 💰 المبلغ: 15 مليون دولار
- 📍 المساحة: نحو 1,360,000 كيلومتر مربع
- 🗺️ الأراضي: كاليفورنيا، نيفادا، يوتا، وأجزاء من أريزونا وكولورادو ونيو مكسيكو ووايومنغ
لكن المؤرخين يصفون هذه الصفقة بأنها جاءت “تحت تهديد السلاح”، إذ لم تكن المكسيك لتوافق على التنازل لولا هزيمتها العسكرية.
3️⃣ صفقة غادسدن (1853): استكمال رسم الحدود الجنوبية


بعد سنوات من انتهاء الحرب، استمرت التوترات بين البلدين. وفي عام 1853، تم توقيع صفقة عُرفت في الولايات المتحدة باسم صفقة غادسدن.
- 💰 السعر: 10 ملايين دولار
- 📍 المساحة: نحو 76,900 كيلومتر مربع
- 🎯 الهدف: تمهيد الطريق لإنشاء خط سكة حديد عابر للقارة
وأصبح هذا الشريط الحدودي لاحقاً جزءاً من ولايتي أريزونا ونيو مكسيكو، وشكّل الحدود الجنوبية الحالية للولايات المتحدة.
4️⃣ شراء ألاسكا من روسيا (1867): “حماقة سيوارد” التي تحولت إلى كنز

عام 1867، أصر وزير الخارجية الأمريكي ويليام سيوارد على شراء ألاسكا من الإمبراطورية الروسية.
- 📍 المساحة: 1,554,000 كيلومتر مربع
- 💰 السعر: 7.2 مليون دولار
واجهت الصفقة انتقادات واسعة وسُمّيت “حماقة سيوارد”، لكن اكتشاف الذهب ثم النفط لاحقاً أثبت أهميتها الاستراتيجية والاقتصادية.
أصبحت ألاسكا ولاية رسمياً عام 1959، واكتسبت أهمية عسكرية كبيرة خلال الحرب الباردة.
5️⃣ شراء جزر العذراء من الدنمارك (1917): صفقة في ظل الحرب العالمية

كانت آخر عملية شراء كبرى للأراضي الأمريكية من الدنمارك عام 1917، عندما اشترت الولايات المتحدة جزر الهند الغربية الدنماركية، المعروفة اليوم باسم جزر العذراء الأمريكية.
- 💰 السعر: 25 مليون دولار
- 🎯 الدافع: منع ألمانيا من السيطرة على الميناء الاستراتيجي في سانت توماس
وفي سياق الصفقة، وافقت واشنطن على عدم معارضة سعي الدنمارك لتوسيع نفوذها على كامل جزيرة غرينلاند.
هل يعيد التاريخ نفسه مع غرينلاند؟
اليوم، ومع تجدد النقاش حول غرينلاند، يرى بعض الباحثين أصداء واضحة لتاريخ التوسع الأمريكي القائم على مبدأ:
إما الشراء… أو منع الخصوم من الاستفادة الاستراتيجية.
لكن الفارق الجوهري أن السياق الدولي اليوم مختلف جذرياً:
- 🌍 نظام دولي قائم على سيادة الدول
- 📜 قوانين دولية واضحة
- 🗳️ رأي عام محلي في غرينلاند يعارض فكرة البيع
وبينما كانت صفقات القرنين التاسع عشر وبداية العشرين تُبرم في ظل توازنات استعمارية تقليدية، فإن أي سيناريو مشابه اليوم سيصطدم بواقع سياسي وقانوني معقد.
خلاصة: التوسع الأمريكي بين الواقعية السياسية والتاريخ
يُظهر تاريخ الولايات المتحدة أن شراء الأراضي كان أداة مركزية في بناء الدولة القارية، من لويزيانا إلى ألاسكا، ومن كاليفورنيا إلى جزر العذراء.
لكن كل صفقة حملت في طياتها سياقاً سياسياً خاصاً، وغالباً ما ارتبطت بمخاوف أمنية أو منافسة دولية.
ويبقى السؤال المطروح اليوم:
هل يمكن إعادة إنتاج نموذج التوسع عبر الشراء في القرن الحادي والعشرين؟
أم أن عالم ما بعد الحربين العالميتين لم يعد يسمح بتكرار تلك الصفقات التاريخية؟
