
في عالم السينما، هناك أعوام تترك بصمة، وهناك أعوام تغيّر كل شيء. وعام 1975 كان أحد هذه الأعوام الفاصلة التي شكّلت مفترق طرق بين الماضي والمستقبل، بين التقاليد والتمرد، وبين السينما السائدة والسينما الجريئة. في هذا العام، كانت رياح التغيير تعصف بالعالم، وكان الفن السابع في ذروته، يعكس بجرأة تحولات اجتماعية وسياسية وثقافية عميقة.
مجلة Sight & Sound: “العام الذي غيّر تاريخ السينما”
مجلة Sight & Sound البريطانية، إحدى أعرق المجلات السينمائية، لم تفوت أهمية هذا العام، فخصصت له ملفًا شاملاً بعنوان: “1975: العام الذي غير تاريخ السينما إلى الأبد”، استعرضت فيه أهم الأفلام التي صدرت آنذاك، وتحليلات نقدية لأعمال لم تقتصر على شهرتها فحسب، بل على قدرتها الفريدة على التعبير عن روح العصر.
بين السياسة والتمرد: أفلام تواجه العالم
من أبرز ما ميّز إنتاجات 1975 السينمائية هو تقاطعها الصريح مع القضايا السياسية والاجتماعية. أفلام مثل The Battle of Chile للمخرج باتريشيو جوزمان، وثّقت بأجزاءها الثلاثة أحداث الانقلاب الدموي في تشيلي، في عمل وثائقي طويل وصادم أصبح علامة فارقة في السينما السياسية. في مشهد أيقوني، يوجّه جندي تشيلي رصاصه مباشرة نحو الكاميرا، قاتلاً مصوراً أرجنتينياً في بث مباشر، ليصبح ذلك أحد أكثر المشاهد توثيقاً للفاشية في التاريخ.
“وقائع سنوات الجمر”: ذهب كان يلمع من الجزائر
ومن أمريكا الجنوبية إلى شمال إفريقيا، حيث جاء الإنجاز التاريخي بفوز الفيلم الجزائري “وقائع سنوات الجمر” للمخرج محمد الأخضر حامينا بـ السعفة الذهبية في مهرجان كان، كأول فيلم عربي يحقق هذا الإنجاز. يحكي الفيلم معاناة الشعب الجزائري تحت نير الاستعمار الفرنسي، من 1939 حتى انطلاق الثورة عام 1954. وقد شكّل فوزه صدمة سياسية خاصة للفرنسيين، ليُمنع لاحقًا من العرض لسنوات، قبل أن يعود بنسخة مرممة حديثًا.
جوائز الأوسكار: أعظم ترشيحات التاريخ؟
شهدت جوائز الأوسكار لعام 1975 مجموعة من الأفلام التي تعتبر اليوم كلاسيكيات خالدة. من بينها:
- Barry Lyndon للمخرج العبقري ستانلي كوبريك
- Dog Day Afternoon لسيدني لوميت
- Nashville لروبرت ألتمان
- Jaws لستيفن سبيلبرغ
- One Flew Over The Cuckoo’s Nest للمخرج ميلوش فورمان (الفائز الأكبر)
هذا الأخير، الذي أدى بطولته جاك نيكلسون، لم يكن مجرد فيلم، بل نقد لاذع لأنظمة السلطة المقنّعة داخل مؤسسات العلاج النفسي. فاز بخمس جوائز أوسكار كبرى، وأطلق نجومية نيكلسون بشكل نهائي.
السينما التأملية: أنطونيوني وتاركوفسكي
في الاتجاه المعاكس لأفلام التشويق والدراما، جاء فيلم The Passenger للمخرج الإيطالي أنطونيوني، ببطءه وصمته وتأمله. وكذلك فعل Andrei Tarkovsky في رائعته The Mirror، ليبرزا معاً قوة السينما التي تُشاهد بالقلب لا بالعين فقط.
Jeanne Dielman: فيلم نسوي يتصدر القرن
في مفاجأة مدوية، حصل فيلم Jeanne Dielman للمخرجة البلجيكية شانتال أكرمان، على لقب أعظم فيلم في التاريخ حسب استطلاع مجلة Sight & Sound الأخير. يتناول الفيلم حياة امرأة تعيش وحدتها القاتلة وتبيع جسدها لإعالة ابنها، من خلال تصوير يومياتها الرتيبة والمملة على مدار ثلاث ساعات. هو فيلم بطيء، ولكنه ينحت تأثيره في وعي المشاهد رويداً رويداً حتى يصعب نسيانه.
Salo: أقسى أفلام العام.. وربما التاريخ
أما فيلم Salo للمخرج الإيطالي بازوليني، فهو مثال صارخ على سينما “جماليات القبح”. مستلهماً من رواية الماركيز دي ساد، يعرض الفيلم بشاعات التعذيب والانحراف داخل قصر فاشي. وقد وُصف بأنه “ينزع الإنسانية عن الروح البشرية”، لكنه يبقى شاهداً فنياً على بشاعة السلطة المطلقة.
The Rocky Horror Picture Show وShivers: رعب على إيقاع موسيقى الروك
أعمال مثل The Rocky Horror Picture Show وShivers للمخرج الكندي ديفيد كروننبرغ أعادت تعريف أفلام الرعب، ليس فقط عبر الخوف، بل من خلال التهكم والتجريب وتكسير التابوهات، مثيرة صدمة الجمهور والنقاد على حد سواء.
السينما العالمية تشرق من كل القارات
لم يكن العام حكرًا على الغرب، بل شهد العالم إنتاجات عظيمة من مختلف القارات:
- من فرنسا: India Song لـ مارجريت دوراس، وDaguerreotypes لـ أجنيس فاردا
- من اليونان: The Travelling Players لـ أنجلوبولوس
- من اليابان: Dersu Uzala لـ أكيرا كوروساوا
- من الهند: Sholay الذي أطلق نجومية أميتاب باتشان
- من الفلبين: Manila in the Claws of Light
- من السنغال: Xala للمخرج الأسطوري عثمان سمبين
- من أستراليا: Picnic at Hanging Rock للمخرج بيتر واير
خاتمة: لماذا 1975 هو العام الذي لا يُنسى؟
في النهاية، يبقى عام 1975 نقطة تحول سينمائية، حيث التقت الإبداعية الفنية مع الجرأة السياسية والاجتماعية، في زمن كانت فيه السينما في أوج ثورتها ضد السائد والمألوف.
الملف الذي فتحته Sight & Sound ليس مجرد تذكرة بتاريخ مضى، بل هو دعوة لإعادة الاكتشاف والمشاهدة، والتأكيد أن الفن الحقيقي لا يشيخ، بل يزداد ألقاً بمرور الزمن.
