
نجح فريق من العلماء في الصين في تطوير نموذج مصغّر للرحم البشري على شريحة إلكترونية، في إنجاز علمي قد يُحدث تحولًا جذريًا في علاج مشكلات تأخر الحمل، خاصة لدى النساء اللواتي يعانين من فشل الانغراس المتكرر بعد محاولات غير ناجحة من الإخصاب المخبري (IVF).
وبحسب ما نقله موقع Medical Xpress عن دراسة حديثة نُشرت في مجلة Cell، يتيح هذا الابتكار للباحثين مراقبة واحدة من أكثر مراحل الحمل تعقيدًا وغموضًا، وهي مرحلة انغراس الجنين في بطانة الرحم، بدقة غير مسبوقة.
مرحلة الانغراس: حلقة مفقودة في فهم الحمل
تحدث عملية انغراس الجنين عادة بعد 5 إلى 7 أيام من الإخصاب، وتُعد خطوة حاسمة لنجاح الحمل. ففي حال فشل الجنين في الالتصاق ببطانة الرحم والاستقرار داخلها، لا يمكن للحمل أن يستمر، حتى وإن كان الجنين سليمًا من الناحية الوراثية.
وتُعد هذه المشكلة من أكثر التحديات شيوعًا لدى الأزواج الذين يلجؤون إلى أطفال الأنابيب، حيث تعاني بعض النساء من فشل الانغراس المتكرر، وهي حالة تفشل فيها الأجنة في الالتصاق بالرحم رغم جودتها العالية، دون أسباب واضحة حتى الآن.
لماذا يصعب دراسة انغراس الجنين؟
تواجه الأبحاث العلمية قيودًا أخلاقية وطبية تمنع دراسة مرحلة الانغراس داخل رحم المرأة مباشرة. كما أن النماذج المخبرية التقليدية لا تعكس بدقة:
- البنية ثلاثية الأبعاد لبطانة الرحم
- التفاعل المعقّد بين الخلايا
- تأثير تدفق الدم والهرمونات
وهنا جاءت الحاجة إلى نموذج مبتكر يحاكي البيئة الطبيعية للرحم البشري.
كيف يعمل «الرحم على الشريحة»؟
طوّر باحثون من الأكاديمية الصينية للعلوم نموذجًا ثلاثي الأبعاد لبطانة الرحم البشرية داخل شريحة ميكروفلويدية دقيقة.
وشملت خطوات التطوير:
- زراعة خلايا رحمية بشرية داخل طبقات من هلام خاص
- تكوين بنى نسيجية تحاكي بطانة الرحم الطبيعية
- محاكاة تدفق الدم والهرمونات داخل الرحم
ولاختبار النموذج، استخدم الباحثون:
- «البلاستويدات» (تراكيب مشتقة من الخلايا الجذعية تحاكي الأجنة المبكرة)
- أجنة بشرية متبرع بها
وأظهرت النتائج أن الأجنة داخل الشريحة نجحت في اجتياز جميع المراحل الأساسية لانغراس الجنين.
محاكاة دقيقة للواقع السريري
عند إنشاء النموذج باستخدام خلايا مأخوذة من نساء يعانين من فشل الانغراس المتكرر، لاحظ الباحثون أن:
- قدرة الأجنة على الالتصاق والنمو كانت أقل
- النتائج تطابقت بشكل كبير مع ما يحدث في الواقع السريري
وهذا يؤكد أن النموذج لا يحاكي الرحم نظريًا فقط، بل يعكس بدقة الحالة المرضية الفعلية.
أمل جديد لعلاج مخصص لكل امرأة
في خطوة لافتة، استخدم الفريق هذا «الرحم على الشريحة» لاختبار أكثر من 1000 دواء معتمد من هيئة الغذاء والدواء الأميركية (FDA)، وتمكن من تحديد مركبات دوائية حسّنت فرص انغراس الأجنة.
وقال الباحث الرئيسي في الدراسة إن هذا النموذج:
«لا يعيد تمثيل المراحل الأساسية لانغراس الجنين البشري فحسب، بل يوفّر أداة قوية لاكتشاف علاجات مخصصة للنساء اللواتي يعانين من فشل الانغراس المتكرر».
مستقبل الإخصاب المخبري: علاجات فردية وفرص أعلى للحمل
يرى الباحثون أن هذا الابتكار قد يمهّد الطريق نحو:
- علاجات مخصصة لكل حالة على حدة
- رفع نسب نجاح الإخصاب المخبري
- تقليل المعاناة النفسية والجسدية للنساء
- تقليل عدد المحاولات الفاشلة لأطفال الأنابيب
الخلاصة:
يمثل تطوير الرحم البشري على شريحة إلكترونية نقلة نوعية في أبحاث الخصوبة، وقد يشكّل في المستقبل القريب أملًا حقيقيًا لآلاف النساء حول العالم في تحقيق حلم الأمومة بطرق أكثر دقة وأمانًا.
