
في قلب الأسواق التاريخية لمدينة صيدا اللبنانية، حيث تتعانق العمارة العثمانية مع ذاكرة المدينة العريقة، يتحول حمّام الجديد إلى فضاء فني وإنساني يستعيد حكايات الحرب والفقد والصمود، من خلال معرض «رنين» للفنان البريطاني توم يونغ، الذي يوثق بريشته المآسي الإنسانية التي شهدتها غزة وجنوب لبنان، ويحتفي بقدرة الفن على مقاومة النسيان وإحياء الأمل وسط الدمار.
داخل المبنى العثماني الذي يعود تاريخ إنشائه إلى عام 1720، يقدم يونغ مجموعة من اللوحات الفنية التي أنجزها خلال الأشهر الماضية بين مرسميه في بيروت والمملكة المتحدة، متفاعلاً مع الأحداث المأساوية التي شهدتها المنطقة، ومحاولاً تحويل مشاهد الألم والخسارة إلى أعمال بصرية تحمل رسائل التضامن والتعاطف الإنساني.
ويأتي معرض «رنين» لعام 2026 امتداداً لمشروع فني وثقافي طويل ارتبط بمدينة صيدا وتراثها المعماري، حيث يلتقي الفن التشكيلي بالتاريخ، وتتحول جدران الحمّام القديمة إلى شاهد على الحروب المتعاقبة، وعلى قدرة الثقافة على البقاء رغم الأزمات.
معرض «رنين» 2026.. الفن يوثق الحرب في غزة وجنوب لبنان
يقدم معرض «رنين» مجموعة من اللوحات التي تستكشف التأثيرات الإنسانية والثقافية للحرب في فلسطين وجنوب لبنان، من خلال مشاهد تجمع بين الدمار والذاكرة والحنين إلى الأماكن التي تغيرت ملامحها بفعل الصراع.
ولا يكتفي الفنان البريطاني توم يونغ بتصوير آثار القصف والخراب، بل يسعى إلى استحضار الحياة التي كانت تنبض في تلك المواقع قبل الحرب، وما تركته الأحداث من جراح في ذاكرة السكان الذين فقدوا منازلهم وأحباءهم.
ويأتي المعرض بعد مجموعة «الجذور»، التي عُرضت في مارس 2025، ليواصل الفنان استكشاف العلاقة العميقة بين الإنسان والأرض والهوية، متسائلاً عما يبقى من الأماكن والذكريات عندما تتعرض المجتمعات للعنف والتهجير.
وتتنقل الأعمال الفنية بين المواقع الأثرية والقرى الجنوبية والمشهد الإنساني المعاصر، في محاولة لتوثيق التحولات التي أصابت البيئة العمرانية والطبيعية والاجتماعية.
من يارون إلى صور وقلعة الشقيف.. ذاكرة المكان في لوحات توم يونغ
تحتل الأمكنة التاريخية والطبيعية موقعاً بارزاً في معرض «رنين»، إذ يستعيد توم يونغ مشاهد من جنوب لبنان قبل الحرب وبعدها، ليكشف حجم التحولات التي طرأت على القرى والمعالم العمرانية.
وتبرز بلدة يارون الجنوبية في لوحتين تعكسان صورتها قبل الحرب الإسرائيلية عام 2024 وبعدها، في مقارنة بصرية تحمل دلالات الفقد والدمار والحنين إلى الماضي.
كما تستحضر الأعمال الآثار الرومانية في مدينة صور وقلعة الشقيف، إلى جانب الأراضي الزراعية والقرى التي ينتظر سكانها فرصة العودة إليها.
وفي مشاهد أخرى، تظهر حافلة مدرسية محطمة بوصفها رمزاً لما تتعرض له الطفولة والتعليم من أضرار خلال الحروب، بينما تبرز صور المسعفين الذين يواصلون أداء مهماتهم الإنسانية وسط المخاطر.
ومن خلال هذه التفاصيل، يقدم الفنان قراءة بصرية تتجاوز توثيق الخراب المادي، لتسلط الضوء على الخسائر النفسية والاجتماعية والثقافية التي تتركها الحروب في حياة المجتمعات.
أمل خليل في قلب معرض «رنين».. تكريم للصحافة والذاكرة الإنسانية
تحتل الصحافية أمل خليل مكانة خاصة في معرض «رنين»، حيث يستحضر توم يونغ صورتها وذكراها ضمن الأعمال التي تتناول أثر الحرب في حياة الأفراد والمجتمعات.
وبحسب المادة التعريفية للمعرض، قُتلت أمل خليل في 22 أبريل 2026، وكانت تربطها بالفنان البريطاني علاقة صداقة، كما سبق أن كتبت عن أعماله الفنية في حمّام الجديد.
وكانت الصحافية من الوجوه المألوفة في المكان، إذ اعتادت زيارة المعارض الفنية وحضور الفعاليات الموسيقية والثقافية التي يستضيفها المبنى التاريخي.
ويمنح حضورها في المعرض بعداً إنسانياً إضافياً، إذ تصبح الصحافة جزءاً من الذاكرة التي يسعى الفن إلى حفظها، إلى جانب المسعفين والعاملين في المجالات الإنسانية الذين يواجهون أخطار الحرب.
ويكتسب هذا التكريم رمزية خاصة داخل حمّام الجديد، الذي شكل طوال قرون مساحة للقاء والتواصل وتبادل الحكايات، قبل أن يتحول في العصر الحديث إلى مركز ثقافي يحتضن الفن والموسيقى والحوار.
حمّام الجديد في صيدا.. ثلاثة قرون من التاريخ والذاكرة
يُعد حمّام الجديد أحد المعالم العثمانية البارزة في مدينة صيدا القديمة، التي عُرفت تاريخياً باسم صيدون، ويعود تأسيسه إلى عام 1720.
وعلى مدى نحو ثلاثة قرون، شكّل الحمّام فضاءً اجتماعياً يجمع سكان المدينة من مختلف الفئات والخلفيات الدينية والاجتماعية.
فلم يكن مجرد مكان للاستحمام، بل مساحة للراحة والتواصل الإنساني وتبادل الأخبار والحكايات، حيث التقى الأغنياء والفقراء في طقس يومي مشترك.
واستمر هذا الدور حتى أواخر أربعينيات القرن العشرين، عندما أدى انتشار شبكات المياه المنزلية والحمّامات الخاصة إلى تراجع أهمية الحمّامات العامة.
ومع مرور الوقت، أُغلق حمّام الجديد وبقي بعيداً عن الحياة العامة لعقود، قبل أن تبدأ جهود إعادة إحيائه وتحويله إلى مساحة ثقافية وفنية.
«بيت النار».. قاعة تاريخية تحمل آثار حرب 1982
تُعرض لوحات «رنين» داخل غرفة الساونا القديمة المعروفة باسم «بيت النار»، وهي إحدى أكثر المساحات دلالة في حمّام الجديد.
فقد تعرضت هذه الغرفة لأضرار مباشرة خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، عندما أصابت قذيفة سقفها وأدت إلى تدميره، قبل استبداله لاحقاً بسقف مؤقت من ألواح الحديد المعرج.
ويمنح اختيار هذه القاعة لاحتضان معرض يتناول الحروب المعاصرة معنى رمزياً عميقاً، إذ تتجاور ذاكرة الدمار القديم مع صور المآسي الحديثة.
وهكذا تصبح جدران المكان جزءاً من التجربة الفنية، لا مجرد خلفية لعرض اللوحات، حيث تتداخل آثار الماضي مع الحاضر في سرد بصري يعكس استمرار المعاناة ومحاولات النهوض من جديد.
ويتزامن معرض «رنين» مع الذكرى السادسة لانطلاق معرض «إحياء»، الذي أعاد حمّام الجديد إلى المشهد الثقافي في صيدا.
توم يونغ يهدي معرض «رنين» إلى أبناء جنوب لبنان
يحمل معرض «رنين» رسالة تضامن واضحة مع سكان جنوب لبنان الذين فقدوا منازلهم وأرزاقهم وأحباءهم نتيجة الحرب.
وفي بيانه الفني، أهدى توم يونغ المعرض إلى أبناء الجنوب، وإلى كل من يتمسك بقيمة الثقافة والتعاطف الإنساني رغم الظروف القاسية.
وأكد الفنان، في تصريحات نقلتها «الشرق»، أن حمّام الجديد ظل يسعى إلى أداء دوره التاريخي بوصفه ملاذاً للسلام والجمال والتواصل الإنساني، حتى في الفترات التي كان فيها إغلاق أبوابه الخيار الأسهل.
وأشار إلى أن المكان واصل احتضان الفن والموسيقى والصحافة والحوار، محافظاً على دوره بوصفه مساحة تجمع الناس رغم الانقسامات والخراب.
وتعكس هذه الرؤية فلسفة يونغ الفنية التي تقوم على اعتبار الثقافة وسيلة لحفظ الذاكرة الجماعية، والدفاع عن حق الإنسان في التذكر والحزن والتعبير والحلم بالعودة.
ولا يقدم معرض «رنين» إجابات نهائية عن المآسي التي تتناولها لوحاته، بل يطرح أسئلة حول معنى الفقد والانتماء، وقدرة المجتمعات على الحفاظ على هويتها في مواجهة العنف.
معرض «إحياء» 2020.. كيف عاد حمّام الجديد إلى الحياة؟
تعود جذور المشروع الفني الذي يحتضن معرض «رنين» إلى عام 2018، عندما استحوذ سعيد باشو ومؤسسة شرقي للتنمية الثقافية والابتكار على حمّام الجديد، تمهيداً لإعادة ترميمه وإحياء دوره التاريخي.
وجاءت فكرة المشروع بعد زيارة باشو معرضاً سابقاً للفنان توم يونغ في فندق صوفر الكبير، حيث دعاه إلى تقديم قراءة فنية لتاريخ الحمّام وذاكرته المعمارية والاجتماعية.
ومن هذه المبادرة وُلد مشروع «إحياء» (Revival)، الذي افتُتح في أكتوبر 2020، وضم ستين لوحة زيتية موزعة على عشر قاعات مقببة داخل المبنى التاريخي.
واستند الفنان في إعداد الأعمال إلى شهادات شفوية لسكان مسنين من صيدا، استعادوا ذكريات طفولتهم وتجاربهم داخل الحمّام عندما كان مركزاً للحياة الاجتماعية.
وفي ظل غياب أرشيف فوتوغرافي شامل يوثق تفاصيل المكان القديمة، تحولت الروايات الشفوية إلى مصدر أساسي لإعادة تخيل الحياة التي كانت تدب بين جدرانه.
ومن خلال هذه التجربة، لم يقتصر المشروع على إعادة تأهيل مبنى أثري، بل سعى إلى استعادة ذاكرة اجتماعية وثقافية كادت تختفي مع مرور الزمن.
أزمات لبنان تؤجل افتتاح «إحياء» أربع مرات
لم تكن رحلة إعادة إحياء حمّام الجديد سهلة، فقد واجه المشروع سلسلة من الأزمات التي عصفت بلبنان خلال مرحلة التحضير لافتتاحه.
وتأجل افتتاح المعرض أربع مرات نتيجة التطورات المتلاحقة، بدءاً من احتجاجات 17 أكتوبر 2019، مروراً بجائحة كوفيد-19، وصولاً إلى انفجار مرفأ بيروت في 4 أغسطس 2020.
ورغم هذه التحديات، واصل القائمون على المشروع العمل لإعادة المبنى إلى الحياة، في وقت كانت البلاد تواجه أزمات اقتصادية وسياسية واجتماعية عميقة.
ومنحت هذه الظروف المشروع بعداً رمزياً إضافياً، إذ أصبح الحمّام التاريخي نموذجاً لقدرة المبادرات الثقافية على الاستمرار في مواجهة الانهيار والأزمات.
ترميم حمّام الجديد.. الحفاظ على العمارة العثمانية والحرف التقليدية
اعتمدت أعمال ترميم حمّام الجديد على أساليب تقليدية تهدف إلى الحفاظ على أصالة المبنى التاريخي وخصائصه المعمارية.
وتحت إشراف عمر حيدر، استخدم الحرفيون مواد طبيعية مثل الكلس والطين بدلاً من الإسمنت الحديث، حفاظاً على طبيعة البناء وتقنيات الترميم المتوارثة.
ولم تقتصر جهود المشروع على حماية الجدران والقباب، بل امتدت إلى صون المهارات الحرفية التقليدية التي تواجه خطر الاندثار.
وفي الوقت نفسه، حرص القائمون على الجمع بين التراث والتكنولوجيا الحديثة، من خلال تنظيم عروض سينمائية ومحاضرات وحفلات موسيقية وورش للعلاج بالفن.
كما جرى تطوير جولة رقمية تفاعلية تتيح للزوار التعرف على تاريخ الحمّام وتفاصيله المعمارية والثقافية.
وبذلك أصبح المكان نموذجاً لإعادة توظيف المباني التراثية في خدمة الثقافة المعاصرة، دون فقدان هويتها التاريخية.
الموسيقى والفنون تعيدان الحياة إلى قباب الحمّام
منذ افتتاح معرض «إحياء»، استعاد حمّام الجديد دوره بوصفه مركزاً للحياة الثقافية في صيدا، حيث احتضنت قاعاته المقببة حفلات موسيقية وفعاليات فنية متنوعة.
وشارك في هذه الأنشطة موسيقيون وفنانون من الشرق الأوسط وأوروبا وأميركا الشمالية والجنوبية، ما منح الموقع بعداً ثقافياً يتجاوز حدوده المحلية.
كما فتح الحمّام أبوابه أمام أطفال المدارس المحلية ومخيمات اللاجئين الفلسطينيين في صيدا وصور، وأتاح لهم تقديم معارض فنية خاصة داخل فضاءاته التاريخية.
وأسهمت هذه المبادرات في تعزيز التواصل بين الأجيال، وربط الأطفال والشباب بالتراث المعماري والاجتماعي للمدينة.
وفي ظل الحروب والأزمات التي شهدها لبنان، واصل الحمّام استقبال الزوار، محافظاً على حضوره بوصفه مساحة ثقافية تسعى إلى توفير لحظات من الهدوء والتأمل والتواصل الإنساني.
معرض «الجذور» 2025.. الأرض والانتماء في تجربة توم يونغ
قبل تقديم معرض «رنين»، كان الفنان البريطاني قد عرض مجموعة «الجذور» في مارس 2025، متناولاً من خلالها العلاقة بين الإنسان والأرض والهوية.
وتستكشف هذه المجموعة معنى الانتماء إلى المكان، وكيف تبقى الروابط العاطفية والثقافية بالأرض حاضرة رغم الحروب والتهجير والتحولات السياسية.
وتندرج «الجذور» ضمن السياق الفني لمشروع «إحياء»، الذي يستعيد تاريخ حمّام الجديد باعتباره فضاءً للتلاقي والتعايش بين أفراد المجتمع من خلفيات مختلفة.
ويبدو الانتقال من «الجذور» إلى «رنين» امتداداً طبيعياً لتجربة توم يونغ، حيث ينتقل من التأمل في الانتماء إلى الأرض إلى مواجهة الأسئلة المتعلقة بفقدانها، ومن استحضار الذاكرة إلى الدفاع عن حق الإنسان في الحفاظ عليها.
الفن في مواجهة النسيان.. رسالة معرض «رنين» من صيدا إلى العالم
يقدم معرض «رنين» تجربة فنية تتجاوز حدود اللوحة التشكيلية، ليصبح مساحة للتأمل في العلاقة بين الحرب والذاكرة والهوية الإنسانية.
فمن خلال استحضار القرى الجنوبية والمواقع الأثرية والمنازل المدمرة وصور المدنيين والمسعفين، يسعى توم يونغ إلى إبراز ما تتركه الحروب من آثار تتجاوز الخسائر المادية المباشرة.
ويكتسب المعرض أهمية إضافية من مكان إقامته داخل حمّام الجديد، الذي شهد بدوره آثار الحرب، قبل أن يستعيد حضوره بوصفه مركزاً ثقافياً يجمع الناس حول الفن والتراث.
وتتلاقى في هذه التجربة ذاكرة المبنى مع ذاكرة اللوحات، لتؤكد أن حماية التراث لا تعني الحفاظ على الحجارة وحدها، بل تشمل أيضاً صون الحكايات والتجارب الإنسانية التي منحت تلك الأمكنة معناها.
وفي النهاية، يطرح معرض «رنين» للفنان البريطاني توم يونغ رسالة إنسانية عميقة مفادها أن الحروب قد تدمر المباني وتغير ملامح المدن، لكنها لا تستطيع بالضرورة محو الذاكرة أو إطفاء قدرة الإنسان على الإبداع.
ومن قلب صيدا القديمة، تواصل لوحات «رنين» الدفاع عن حق الإنسان في التذكر والانتماء والحلم بالعودة، مؤكدة أن الفن يمكن أن يظل شاهداً على المأساة، ومساحة للأمل في الوقت نفسه.
