
في خطوة تعكس التزامها بالحفاظ على التراث الثقافي العالمي، أبدت فرنسا قلقها البالغ إزاء الأوضاع الإنسانية والثقافية المتدهورة في قطاع غزة، وذلك خلال افتتاح معرض بعنوان “كنوز منقذة من غزة: 5000 عام من التاريخ” يوم الأربعاء في معهد العالم العربي في العاصمة الفرنسية باريس.
المعرض الذي يسلط الضوء على الجهود الدولية لإنقاذ القطع الأثرية والتراث الثقافي الفلسطيني من تحت أنقاض الحرب، يأتي في وقت تصاعد فيه الدمار الذي طال البنية التحتية، بما فيها المواقع الأثرية والمؤسسات التعليمية والدينية.
فرنسا تدعو إلى احترام القانون الدولي والاتفاقيات المتعلقة بالتراث الثقافي
أعادت وزارة الخارجية الفرنسية التأكيد على دعمها الكامل لـ اتفاقية لاهاي لعام 1954، التي تهدف إلى حماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة. ودعت فرنسا جميع الأطراف المعنية إلى احترام التزاماتها القانونية الدولية، وخاصة تلك المتعلقة بحماية المواقع التراثية والمقتنيات الثقافية من التدمير أو الاستيلاء غير المشروع.
وقالت الخارجية الفرنسية في بيان رسمي:
“نؤكد مجدداً أهمية التزام جميع الأطراف بواجباتها بموجب اتفاقية 1954، لضمان حماية الممتلكات الثقافية في حالات النزاع المسلّح”.
دعم فرنسي قوي لليونسكو وجهود الحفاظ على التراث الفلسطيني
وأكدت فرنسا التي تستضيف مقر منظمة اليونسكو في مدينة باريس، دعمها الكامل للمنظمة الأممية في مهمتها لحماية التراث الثقافي المهدد بالاندثار، خاصة في الأراضي الفلسطينية.
ومن بين أبرز القرارات التي نفذتها اليونسكو مؤخراً، إدراج موقع دير القديس هيلاريون (تُل أم عمار) في قطاع غزة ضمن قائمة التراث العالمي المعرّض للخطر، وذلك منذ 23 يوليو 2024. ويُعد هذا الدير واحداً من أهم المواقع الأثرية المسيحية في المنطقة، ويمتد تاريخه إلى أكثر من 1600 عام.
التعاون الفرنسي – الفلسطيني في مجال التراث
أشارت الخارجية الفرنسية إلى استمرار التعاون الوثيق بين فرنسا والسلطة الفلسطينية في مجال الحفاظ على التراث الثقافي، خصوصاً في منطقة دير القديس هيلاريون، حيث تم تنفيذ عدد من المشاريع المشتركة لتوثيق وصيانة الموقع الأثري.
كما ذكرت أن القنصلية العامة لفرنسا في القدس تلعب دوراً محورياً في تعزيز هذه الشراكات، وخصوصاً فيما يتعلق بـ مكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية، وهو ظاهرة تصاعدت بشكل كبير في أعقاب النزاعات المسلحة.
دعم فرنسي مباشر لمشاريع الحفاظ على التراث الفلسطيني
أكدت فرنسا أنها تقدم دعماً مباشراً لعدد من المؤسسات والمشاريع الرائدة في مجال الحفاظ على التراث الفلسطيني، ومن أبرزها:
- المركز الفرنسي لدراسة الكتاب المقدس والآثار في القدس: وهو جهة علمية رائدة تعمل على دراسة الآثار الدينية والتاريخية في الأرض المقدسة.
- مشروع متحف الأرض المقدسة (تيرا سانتا) التابع لدير المخلص: يسعى المتحف إلى حفظ وعرض التراث الثقافي والديني المرتبط بالأحداث المقدسة في فلسطين.
التحالف الدولي لحماية التراث: مبادرة فرنسيّة – إماراتية رائدة
أطلقت فرنسا عام 2017، بالتعاون مع دولة الإمارات العربية المتحدة، التحالف الدولي لحماية التراث الثقافي في حالة الأزمات والنزاعات. وتشارك فرنسا في تمويل هذا التحالف بمبلغ بلغ 30 مليون يورو للفترة ما بين 2022 و2027.
ويهدف التحالف إلى:
- دعم الدول المتأثرة بالنزاعات في حماية تراثها الثقافي
- تدريب الكوادر المحلية على إدارة المخاطر والتدخل السريع
- توثيق المواقع الأثرية المهددة ودعم عمليات إنقاذها
- تعزيز التشريعات الوطنية لمكافحة الاتجار غير المشروع بالآثار
تدريب الفلسطينيين على إدارة الطوارئ الأثرية
من بين أبرز النتائج الملموسة لهذا التعاون، دعم فرنسا لمشاريع تدريب الكوادر الفلسطينية على التعامل مع الطوارئ الأثرية، وتوثيق المواقع الهامة استعداداً لجهود الحفظ والترميم.
ومن أبرز هذه المواقع التي تم العمل عليها:
- مسجد عمر بن الخطاب في خان يونس
- مبنى المحكمة الشرعية في غزة
- كنيسة سانت بورميلا في بيت لحم
خاتمة: التراث ليس فقط حجارة… بل هو ذاكرة الشعوب
بينما تستمر الأزمة الإنسانية في قطاع غزة، فإن الحفاظ على التراث الثقافي يمثل ركيزة أساسية في الحفاظ على الهوية والذاكرة الجماعية للشعب الفلسطيني. وتأتي المبادرات الفرنسية كخطوة إنسانية وثقافية مهمة نحو إعادة تأهيل ما يمكن إنقاذه، وتوثيق ما يمكن الحفاظ عليه قبل أن يصبح جزءاً من الماضي.
وفي الوقت الذي تُبذل فيه الجهود لإغاثة المدنيين، يجب ألا ننسى أن الثقافة والآثار هي أيضاً ضحايا للنزاعات، وأن إنقاذها ليس مجرد عمل تقني، بل هو استثمار في مستقبل الشعوب وهويتها.

تعليقان
رائع
ابحث عن عمل تواصل ع وتس 0990634961